وعدت قرائي الكرام في المقال الماضي أن أتناول أزمة القيم في المجتمع المصري في ضوء دراسة منهجية تقوم على أساس تحليل الاتجاهات القيمية الأساسية في المجتمع العربي، والتي سبق أن حصرها عالم الاجتماع الدكتور حليم بركات، والتي ذكرتها بإيجاز ومن بينها الصراع بين قيم الامتثال وقيم التفرد. غير أني حين تأملت موضوع الامتثال والتفرد وصلت إلى قرار بتأجيل مناقشته إلى فرصة أخرى لسبب هام، هو أننا -بعيداً عن أهمية المناقشات النظرية- في حاجة إلى التنظير المباشر للواقع. والواقع الذي نواجهه في هذه اللحظة التاريخية ليس الصراع بين الامتثال والتفرد، لكنه على وجه الدقة بين الخضوع والتمرد! ومعنى ذلك أنني عامداً متعمداً أريد أن أنقل المناقشة من الميدان الاجتماعي والثقافي إلى الساحة السياسية، حيث يدور الصراع المحتدم بين جماعات المعارضة بكافة تنوعاتها وجماعة «الإخوان المسلمين» وحزبها «الحرية والعدالة»، ونظام الحكم الذي يجلس على قمته الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية. وذلك لأنني لا أستطيع -سواء باعتباري باحثاً علمياً أو ناقداً اجتماعياً مهتماً بالشأن العام- أن أنغمس في مناقشة نظرية في الوقت الذي أعلنت فيه حركة «تمرد» التي جمعت ملايين الاستمارات من المواطنين لسحب الشرعية من رئيس الجمهورية أنها ستحشد الملايين من المواطنين الساخطين أمام قصر الاتحادية حيث يمارس رئيس الجمهورية صلاحياته يوم 30 يونيو. وفي مواجهة حركة «تمرد» التي تعبر في الواقع عن إبداع سياسي حقيقي لمجموعة من الشباب الثائر أرادوا إعلان التمرد على نظام الحكم الإخواني القائم لفشله الذريع في مواجهة مشكلات المجتمع، وإصرار قادته على الاستحواذ على عملية صنع القرار، وإقصاء كافة الفصائل السياسية من المشهد السياسي. وهؤلاء الشباب نجحوا بالفعل في تجاوز كل جبهات المعارضة التقليدية التي عجزت عن التواصل مع الشارع السياسي، وقنعت بإصدار البيانات الهزيلة من وراء المنصات في القاعات المكيفة. وهناك مؤشرات كمية وكيفية تدل يقيناً على أن حركة «تمرد» أصبحت حركة شعبية واسعة المدى، استطاعت استقطاب المواطنين العاديين الساخطين سخطاً شديداً على الأداء الوزاري المتعثر، وعلى إخفاق الحكومة في سد الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وتؤكد ذلك كل يوم الأزمات المستحكمة في مجال توزيع السولار والبنزين، بالإضافة إلى الانقطاع المستمر في الكهرباء، ناهيك عن التضخم وارتفاع الأسعار، وتدني الخدمات الحكومية في كل المرافق. وفي مواجهة حركة «تمرد» سارعت جماعة «الإخوان المسلمين» بإنشاء حركة مضادة اسمها «تجرد»، وهو اسم لا معنى له في الواقع، الغرض منها الدفاع عن شرعية رئيس الجمهورية، والترويج لإنجازاته التي لا يحس بها المواطنون على وجه الإطلاق! ويمكن القول إن مصر كلها في حالة ترقب شديد ليوم الحشد الكبير في 30 يونيو أمام قصر الاتحادية. وهناك ولاشك أسئلة متعددة حول النتيجة النهائية لهذا الحشد الذي تقوده حركة «تمرد»، ولا يمكن في الواقع الإجابة عليها إلا بالتحديد الدقيق للخطوط الفاصلة من التمرد والثورة. فيما يخص التمرد فهو على سبيل القطع قيمة ثورية ينبغي الحض على ممارستها لإلغاء الآثار المدمرة لقيمة سلبية تسود في المجتمعات الشمولية والسلطوية وهي قيمة الخضوع. ففي هذه المجتمعات التي يمارس قادتها القمع السياسي على النخبة والجماهير معاً، تقوم عملية التنشئة الاجتماعية على بث الخوف من السلطة بين صفوف الناس، وفرض الخضوع فرضاً على الجماهير لكل صنوف السياسات المنحرفة التي تضعها النخب السياسية الحاكمة المستبدة والفاسدة. ومن هنا فإن التوفيق قد صادف الشباب الثائر في اختياره شعار حملة المعارضة الشعبية لنظام «الإخوان» الحاكم، وهو «تمرد»، والخطاب هنا موجه للمواطن وليس وصفاً للظاهرة، بمعنى «أيها المواطن عليك أن تتمرد على النظام المستبد السائد»، ليس ذلك فقط بل وأن تعلن تمردك وتوثقه بتسجيل اسمك ورقمك القومي، مما يعني أنك لست خائفاً من أي عاقبة لهذا السلوك المتمرد. «تمرد أيها المواطن وتحرك لكي تشارك في الاحتشاد الجماهيري يوم 30 يونيو والذي خطط ليكون إعلاناً جهيراً أمام العالم بأن الشعب يريد سحب الشرعية من رئيس الجمهورية، ويهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة». ويمكن القول إن هناك في علم السياسة خطوطاً فاصلة بين التمرد والثورة. التمرد ممارسة سياسية يمكن أن تتم في إطار معارضة النظام السياسي القائم أياً كانت منطلقاته، في إطار تقاليد المعارضة في المجتمعات الديمقراطية. والهدف منه إسقاط السياسات المعيبة أو المنحرفة لنظام سياسي ما. غير أن التمرد لو تجاوز هذا الخط الفاصل ورفعت الجماهير شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، فمعنى ذلك أننا انتقلنا من مجال التمرد -والذي هو ممارسة مقبولة من المعارضة في أي نظام ديمقراطي- إلى ميدان الثورة. وذلك لأن الثورة بحسب التعريف الدقيق معناها إسقاط النظام السياسي القائم، وتشييد أركان نظام سياسي جديد على أنقاضه، بتطبيق توجهات سياسية مغايرة قادرة على إشباع احتياجات الجماهير المعلنة. وفي تقديرنا أن التمرد قيمة إيجابية ينبغي تشجيع الناس على ممارستها للوقوف ضد المظالم الموروثة منذ عهود، والاعتراض على التعسف في استخدام السلطة في المجال الإداري، وسياسات الإقصاء المتعمدة للجماهير في المجال السياسي. غير أن التمرد -من وجهة نظري- لا يمثل قيمة إيجابية إلا إذا تمت تحركات الجماهير بصورة سلمية كاملة ليس فيها عنف ولا تخريب للممتلكات الخاصة أو العامة، بحيث يمكن القول إن حركات التمرد لو لم تطبق هذه المعايير فإنها يمكن أن تدفع البلاد إلى حافة الفوضى العارمة، وهي حالة ينبغي تفادي وقوعها بكل الطرق. غير أن المسؤولية في الانزلاق للعنف لا تقع فقط على عاتق من دعوا للتمرد، ولكنها تقع أيضاً على عاتق الأطراف المناوئة والتي تتمثل في جماهير جماعة «الإخوان المسلمين» وجماهير الأحزاب الإسلامية المتحالفة معها، وذلك إذا ما نزلت هذه الجماهير المناوئة للشارع لمواجهة الجماهير المتمردة، فذلك سيؤدي بدون أدنى شك إلى وقوع مصادمات دامية سيسقط فيها ضحايا من الجانبين، وهو تطور غير مرغوب فيه لمن يحرص على مصلحة البلاد العليا. وهكذا يمكن القول إننا في موقف يمكن فيه أن نحث على التمرد ضد طغيان النظام السائد لإجباره على الاستجابة للمطالب الشعبية للمشاركة في اتخاذ القرار وعدم الاستئثار بالسلطة، لكننا قد نتحفظ على الانتقال العشوائي من التمرد إلى الثورة! وذلك لأنه لا يمكن لثورة أن تنجح إلا إذا أعدت البديل للبنية القمعية التي سعت لإسقاطها، بحيث يكون هذا البديل أكثر ديمقراطية وأسرع استجابة للمطالب الشعبية المشروعة في مجال الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.