اندماج الحضارات
إن انصهار الحضارات في بوتقة واحدة وتمازجها هو التطور الطبيعي لما نحن عليه اليوم من تطور مذهل في مجال العلوم والتكنولوجيا بمختلف مضاربها. وهو ما يطلق عليه الازدهار والانهيار الحتمي للحضارات، والذي سيستمر في صيغته المادية والمعنوية والروحية التي عرفها الإنسان منذ القدم، باستثناء خروج اضطراري عن القاعدة وهو التكاثر الانشطاري الذاتي لفروع الحضارة الواحدة لإعادة إحياء الحضارة الأم. ولكن تطور الفروع سيرجع ليصب كجداول في نهر في الحضارة الكونية و«سوبرنوفا» الحضارات، هذه هي الحتمية التي ستنتهي عليها الإنسانية، وهي المعادلة التي تعمل على هامشها القوى العظمى الحالية لتكون ساعة الصفر في مولد أم الحضارات الكونية بنكهة أميركية أو غربية أو صينية أو روسية ... الخ، والمحاولات المضنية التي تبذلها كل قوى العالم لخلق تحالف يمكّنها من أن تنقذ ما تبقى لاستمرارية حضارتها على ما هي عليه والحفاظ على ثوابت تلك الحضارات.
ولكن يبدو لي أن الوقت تأخر كثيراً لتلك الجهود، فـ«الربيع الإلكتروني» الأممي سيطوي تلك الحضارات لا محالة طي الصحف، ومن هذا الانفجار الكوني الافتراضي ستولد مجرات جديدة وكواكب واحد منها فقط قابل لحياة البشر الافتراضية، والقوى العظمى لتلك الخريطة السياسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والروحية هي ملك الجهة التي ستسخر الاختراعات الأذكى لسيادة ذلك الكوكب، وستفاجئ أن السيطرة الأحادية أو سيادة عدة قوى وتحالفات قد ذهبت مع الريح، وسيكون لكل شخص خارج نطاق أمية الفضاء الإلكتروني نصيب من تلك السيطرة اللامركزية، فلا تملك الدول اليوم سوى وضع استراتيجيات وسياسات ذكية للاختيار الطبيعي للجينات التقنية، وما أسميه «تكنو بايو جيوبولتيكس» أو الجغرافية السياسية البيولوجية التقنية، والتي ستحدد مسار المجتمعات وتطورها المستقبلي.
لا اعتقد أن صمويل هنتينجتون في نظريته «صراع الحضارات» كان مدركاً أن التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، وتفاعل الإنسانية الافتراضي التفاعلي سيغير الأنماط الاجتماعية والسياسية، إلى نقطة اللارجوع، وأن صراع الحضارات لم يعد ضرورة، بل أمراً ستعمل البشرية أجمع على تجنبه، وإنْ لم تعمل على ذلك، لن تصمد أمام سطوة شبكات التواصل الاجتماعي وإنسان التعديل الجيني، الذي يحمل في جيناته ذاكرة المكان والزمان ويتفاعل جسدياً مع التقنيات والعلوم المستقبلية بطريقة تخرجه من صورة الإنسان التقليدية إلى الإنسان الخارق.
ولن نعيش لنشاهد تلك الحقبة من التقدم البشري كنتيجة تلقائية لما تسير عليه وتيرة العلم اليوم، وسقوط مدوي للإنسان القيمي والسلوك والأنماط الاجتماعية في مكنسة الفضاء الإلكتروني، لينطوي كل إنسان في ذاته، وهو في غنى حتى عن الأسرة وشريك الحياة، بعد أن استطاع العلم أن يجد البدائل للغرائز الإنسانية البيولوجية، وسقوط الإنسان العاقل في الثقوب السوداء لحضارة الفضاء الإلكتروني التفاعلي، وسيعيش البشر لمئات السنين وهم في شباب دائم، وتحصين جيني ضد الأمراض، وبمواصفات هائلة، وإعلان موت الديانات الروحية بشكلها الحالي وتمسك فئة قليلة جداً من البشر بعلاقتها مع خالقها.
وسيصل العلم في الـ200 سنة القادمة لتفسير كل شيء إلا الروح والأسرار التي تدور حولها، وستقدم الأمهات للعيادات التي تنتشر في كل المدن الافتراضية طلبَ ابن أو ابنة بالمواصفات التي تراها مناسبة لذوقها، دون الاضطرار إلى أن تحمِلَ، وأن تتحمل آلام الوالدة، وتذهب في الفترة المحددة لتسلم طفلها، وأمور عديدة ستحدث أقرب إلى الخيال العلمي. وأرى أن الإنسان سيتمكن من السفر عبر الزمن، ذهنياً على أقل تقدير، وسيتم التحقق من دعاوى التاريخ الذي كتبه الإنسان، وسيُعتبر عصرنا العصر الإلكتروني الحجري الأول.
ونحن في بداية ثورة الاتصالات التقنية التفاعلية الأولى للإنسان، والثقافات في بداية التشكيك في الجدوى من الصراع على إثبات أن كل ثقافة هي الأكثر تميزاً وحضارة، فالمورث الإنساني بمختلف أطيافه عبارة عن نتيجة تراكمية وصل إليها الإنسان في مختلف بقاع الأرض في عصور مختلفة، فالحضارات التي قد نوصفها بالتخلف اليوم قد ساهمت بفعالية لما وصل الإنسان إليه اليوم، وإنْ لم تسجل في سجلات التاريخ الذي يكتبه المنتصر في معظم الحالات، أو لم يكن توثيق تقدم تلك الحضارات يعني لها شيئاً، فحضارة مثل حضارة الجزيرة العربية أو «أتلانتك» أو «المايا» و«الأزتك» في المكسيك وبيرو وغيرها من الدول اللاتينية أو حضارة «بلاد بونت» أي الصومال اليوم، أو حضارة «كوش» في النوبة وغيرها من الحضارات وصلت لتقدم مذهل في العلوم حين كانت غيرها من الحضارات تعيش في ظلام دامس، وكانت تنعت بالتخلف.
الحضارة بتعريفها الذي وضعه الغربيون، هو تعريف إقصائي كما عرفها غيرهم في أوقات مختلفة، ليعكس قيمة تلك الحضارة كنموذج عالمي وإنساني، وما عداه هو تراث متخلف وجاراهم العالم في ذلك جهلاً.
فتجد أن موسيقى «موزارت» عبقرية، ومن يعزف على الربابة، أو أي آلة موسيقية في ثقافة تعتبر غير متقدمة اليوم لا تذكر حتى كموسيقى، بل فلكلور شعبي لتلك الثقافة، أما الموسيقى الغربية، وقس على ذلك الأدب، وكل ضروب الفنون هو قمة ما وصل إليه الإنسان ومقياس قياس تقدم الإنسان.
ولكن هذه المعايير في حضارة شبكات التواصل الاجتماعي تعتبر متخلفة، فما نعتبره تخريباً وخربشات على الجدران يعتبره الكثير من البشر من الأجيال الشبابية قمة التعبير الفني. وما أريد أن أذهب إليه هنا هو أهمية ألا يحتقر الإنسان موروثه وعاداته وتقاليده حتى يوصف بأنه متحضر.
فنجد مثلاً كل شعوب العالم تأتي إلى الدول الخليجية بزيها التقليدي، لكن عندما يذهب الخليجي إلى الدول التي ينتمي إليها هؤلاء السائحون يضطر لارتداء الزي الغربي، حتى يكون متقبلاً ومقبولاً من تلك الثقافات.
ولكن في ظل سباق الحضارة الكونية المشتركة، لن يستطيع الإنسان أن يحافظ فيه على هويته الثقافية والحضارية الذاتية دون أن يفقد هويته الإنسانية. فالتغير قادم لا محالة، وكل إنسان بغض النظر عن أصله وفصله وهويته وديانته يستطيع أن يكون قيمة مضافة للإنسانية أجمع دون أن يغرق في «يوتوبيا» المدينة الفاضلة، أو أن يعتقد أن هناك حضارة أعلى شأن من الأخرى لمجرد أن هناك من يعتقد ذلك، فأول ما فعله المستعمرون في القرون السابقة هو إقناع الشعوب المستعمرة أنها أقل شأناً من المستعمر، وما تملكه يعيق انطلاقها نحو المستقبل من لغة ودين وتقاليد، وإن أردت أن تشاهد مثالاً حياً فانظر للدول العربية، وكيف مسحت هويتها بطريقة أو بأخرى.
ولحين إندماج الحضارات في حضارة كونية واحدة، دعونا نعش حياتنا كما نريد، ونعتقد نحن أنه الأنسب وليس وفق معايير من يريد أن يضع له موضع قدم في الإمبريالية الافتراضية الوليدة، والتي ستسود العالم قبل الإندماج الكبير.