تحولات تونس... الثورة المغدورة
ما الذي تبقى الآن من الثورة التونسية التي أدت في 14 يناير 2011 إلى تغيير النظام، بعدما نجحت خلال أسابيع في تصدر واجهات وسائل الإعلام الدولية، وأخذت بطابعها الفجائي العالم كله على حين غرة، واعتبرها المراقبون البداية لتحولات سياسية إقليمية أوسع ستسمى فيما بعد بـ«الربيع العربي»؟ والآن بعد مرور قرابة ثلاث سنوات على ذلك الحدث ما الذي تأدّى إليه التحول التونسي في النهاية؟ هذا ما يتساءل عنه، ويقترح الإجابات عليه المحامي والمؤلف التونسي لطفي المقطوف في كتاب صدر مؤخراً بعنوان «أنقذوا تونس»، يرسم فيه لوحة قاتمة، ورؤية متشائمة، لما جرى تحت الجسر من مياه منذ إسقاط نظام بن علي، حيث نرى الآن بلاداً تعصف بها أزمة دراماتيكية، ذات إسقاطات اقتصادية واجتماعية وسياسية جارفة، دون أن يتحقق أي من الأهداف الكبرى التي رفعت خلال ما سمي ثورة الياسمين، مع استمرار نزيف حاد وخسارة متفاقمة حتى لبعض المكاسب السابقة من العهد البورقيبي، وانعدام للأمن والاستقرار الذي كان يعتبر على الدوام مقوماً أساسياً من مقومات التجربة التونسية في مرحلة ما بعد الاستقلال.
ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب أن مؤلفه لطفي مقطوف محامٍ متمرس وخريج من جامعات تونس والسوربون وهارفارد، كما عمل من قبل في «وول ستريت»، وصندوق النقد الدولي، كما أنه ينشط منذ ثورة الياسمين في العمل المدني والسياسي في تونس من خلال تأسيسه لمنظمة «المدنية» الساعية لتعظيم وتقوية البعد المدني في تحولات التغيير التونسي.
ويرى الكاتب أن صعود مد الجماعات المتطرفة والقوى الظلامية وتفاقم أحوال العنف الطليق يهددان الآن نموذجاً اجتماعياً تونسياً مستنيراً تشكل على امتداد عقود، وأخطر من كل ذلك أن هذه الفوضى العارمة الراهنة تقع في بلد ذي تاريخ حضاري عريق، عرف على مر الأزمنة بالتسامح والتعايش السلمي والاستقرار، وها هو يجد نفسه اليوم دون بوصلة، وهو يواجه مهددات للهوية نفسها، وعدم قدرة على تحديد الوجهة والهدف، ودون أن يمتلك تصوراً واضحاً أو خريطة طريق مؤكدة توصله إلى الغاية أو النهاية. وليست أمامه أيضاً هوامش اختيارات واسعة، لغياب التفاهم، ولضبابية الرؤية بين القوى التي طفحت بها الموجة، بل ركبت الموجة في مرحلة ما بعد التغيير.
ومن هنا يرى الكاتب أن تراكم الإخفاقات وتعقد المشهد بمكوناته وتلوناته المختلفة يفرض الآن العمل الجاد والعاجل لإنقاذ تونس وللعبور بها من مآزقها وأزماتها الراهنة، وخاصة بعد مصادرة الجماعات الإسلامية للثورة التونسية ولتطلعات الشعب الديمقراطية، واستيلائها على ثمار الحراك الشعبي الذي أسقط نظام بن علي على رغم ضآلة دور تلك الجماعات أصلاً في الحراك وقلة ما بذلت فيه من تضحيات خلال أسابيع الثورة نفسها. وفي هذا المقام يرى لطفي المقطوف أن جماعة «النهضة» التي تتزعم النظام الإسلامي الراهن تمكنت من مصادرة الثورة، والوصول إلى السلطة، بدعم مالي كبير وارتباط بشبكات خارجية، ما مكنها في النهاية من تسويق دعايتها وخطابها مزدوج اللسان.
ولكن ها هو حزب «النهضة» يظهر اليوم نواياه الحقيقية، يقول الكاتب، واضعاً في الواقع وفي الممارسة أسس نظام غير مكترث بالحريات الأساسية، ولا بحقوق النساء، كما يتعامل بطريقة غير ملائمة أيضاً مع المؤسسات الديمقراطية.
وفي المجمل يقدم المقطوف بين دفتي كتابه هذا وخلال فصوله الثمانية عرضاً تاريخياً واسعاً لتحولات وتشكلات تجارب تونس الحديثة والمعاصرة، منتقداً بشكل خاص نظام حزب «النهضة» الحالي والأحزاب المتحالفة معها، مبرزاً بعض أشكال التخبط والارتجال السياسي التي وقعت بعد سقوط نظام بن علي، ما أدى إلى دخول البلاد في نفق أزمة بنيوية سياسية لا تمتلك القوى الممسكة الآن بالسلطة البرنامج ولا الرؤية ولا الخيال السياسي الكفيل بإيجاد استجابات فعالة حيالها، وهو ما يفرض العمل من أجل استعادة أهداف الثورة الأولى، والحفاظ في الوقت نفسه على مكاسب العهد البورقيبي الذي أرسى بعض دعائم التحديث الاجتماعي والثقافي، وإن كان قد وقع في فخ الشمولية والممارسة غير الديمقراطية، ليأتي بعده نظام بن علي بما عرفته تونس أيضاً في عهده من شمولية وطفرة اقتصادية زائفة، ليتكشف كل ذلك عن إخفاقات العهد الحالي، التي يتعين تجاوزها وطي صفحتها من أجل إقامة جمهورية مواطنية مدنية بعيدة عن تغول الجماعات الدينية وأطماع الأحزاب السياسية ذات المطامح والتقاليد الشمولية.
حسن ولد المختار
الكتاب: أنقذوا تونس
المؤلف: لطفي مقطوف
الناشر: فايار
تاريخ النشر: 2013