تعيش الثقافة العربية اليوم أزمة تضيّق عليها مسالك التطوّر ومسارب التغيّر، وتغلق عليها الدروب نحو مواكبة التقدّم وامتلاك المعرفة العلمية العصرية، بسبب غرقها في شباك الماضي وعدم قدرتها على التخلّص منه بحجّة «الهوية». كما أنها «تعيش نقطة الحسم والحيرة من خلال استهلاكها الثقافة الحديثة، وهي غير قادرة على المشاركة في إنتاجها، إضافة إلى موانع أيديولوجية وسياسية واقتصادية تمنعُها من الإنتاج المادي والفكري». تلك هي الإشكالية التي قام عليها كتاب «سوسيولوجيا المثقفين العرب»، لمؤلفه الدكتور أحمد مفلح مفلح، والتي يذكر في المقدمة أنها هي ما دعاه للتوقف عند شخصية المثقف العربي ومواضيعه، للتعرّف عليه عن كثب. فالثقافة هي وليدة واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقِيمي، وليست نتاج لحظتها العابرة، بل هي مخاض عهود يعود إلى جيل أو جيلين، فحِراكها لا تتأتّى آثاره ومفعولاته إلا بعد عقود وقرون، ومن ذلك الحراك نتعرّف على مستقبل المثقف ودوره وتأثير رصيده الفكري والعلمي في التغيير المجتمعي. والكتاب الذي يقع في 311 صفحة، هو في الأساس دراسة وصفية من خلال تحليل مضمون مجلة «المستقبل العربي» خلال الفترة بين عامي 1978 و2008. فقد اختار المؤلف أن يدرس شخصية المثقف العربي ونتاجه من خلال تلك المجلة، كونها عينة صالحة للبحث، لاسيما أنها تصدر دون انقطاع منذ خمسة وثلاثين عاماً، وهي محكمة علمياً، وبلا هوية قطرية، وتوزع في سائر البلاد العربية، ولم يحدث أن دخلت في مواجهة مع أي نظام حكم عربي. لكن من هو المثقف العربي؟ هل هو الذي يكتب ويفكر بالعربية ولقارئ عربي؟ وهل هو المتخصص في علم من العلوم أم هو منتج الأفكار وناشرها؟ وهل هو الأيديولوجي المبشر بمشروع تغييري أم هو العارف بغض النظر عن موقفه الأيديولوجي؟ هل هو الفقيه أم العالم أم التقني أم الباحث الأكاديمي؟ وهل له سلطة في المجتمع؟ وما دوره وتأثيره المجتمعي والسياسي والثقافي؟ وهل الثقافة العربية المعاصرة مأزومة بالفعل؟ وأين تكمن أزمتها؟ وهل هي أزمة ذاتية تنبع من المثقف ذاته أم أزمة موضوعية تعود إلى الظروف المحيطة به؟ رغم أن خطاب المثقف وموقعه في الوجود السياسي والاجتماعي العربي، استحوذا على حيز كبير في فكرنا الأيديولوجي خلال العقود الماضية، كما يلاحظ الكتاب، فإن مفهوم المثقف لا يزال أحد المفاهيم الملتبسة في الثقافة العربية المعاصرة. لذلك نجد أن تعريفات المثقف، على كثرتها في الأدبيات العربية، كلها تعريفات غربية مستمدة من أنطونيو غرامشي أو جان بول سارتر اللذين عُنيا على التوالي بمفهومي «المثقف العضوي» و«المثقف الملتزم» في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته. وأياً يكن تعريف المثقف فإنه على العموم شخص ينتج الأفكار ويمحص المواقف ويستشعر مسؤوليةً خاصة حيال مجتمعه. لذلك فهو مرتكز الضلع الأول في مثلث التطور الفكري والإبداعي، والذي يشمل ضلعين آخرين: الكتاب أو أداة النشر الثقافي، والقارئ بوصفه الطرف المتلقي والمنفعل. وإذا كان المثقف يمثل جزءاً من أزمة الثقافة العربية، بسبب ضعف أدائه وقصور أفكاره، فإن المرتكزين الثاني والثالث لهذه الثقافة، أي الكتاب والقارئ، يعانيان أزمة عميقة بسبب الأمية وضيق الأسواق ودوْر الرقابة وضعف البنية المالية للناشرين والقراء على حدّ سواء. وبالتوقف عند فعالية المثقف العربي، يخلص المؤلف إلى استنتاجات؛ منها أن اهتمامات المثقفين وأفكارهم وأساليبهم متشابهة إلى حد كبير في كل البلدان العربية، وأنهم لا يكادون يقومون بأي دور لتغيير البُنى الذكورية لمجتمعاتهم، وأن تأثير آرائهم يظل نخبوياً محدوداً، وأن عملية التواصل بين المجتمعات العربية شبه مقطوعة والتكامل بين المثقفين يكاد يكون مفقوداً. وفيما يخص التوزيع الإقليمي لنتاج الثقافة العربية، يسجل الكتاب لمصر أكبر نسبة من الكتاب، وذلك لعراقة تاريخها الثقافي الطويل، يليها لبنان الذي يتمتع بتاريخ طويل من الانفتاح والحرية. بينما يتضح أن دول المغرب العربي أنشط في مجال الإنتاج الثقافي من دول أخرى في المشرق مثل سوريا والعراق. وبالاستناد إلى المنهج التكاملي في معالجته مواد المجلة على مدى الفترة المذكورة، يلاحظ المؤلف وجود انفصام واضح بين الفكر العربي وواقعه المجتمعي، وأن المثقف العربي مسلوب الإرادة وفاقد المكانة، وأنه إما مستقيل فكرياً أو مهاجر مكانياً، وفي الحالتين فإن انسحابه يخلي الساحة لتحالف السلطتين السياسية والدينية... وذلك وجه من وجوه أزمة الثقافة والمثقف في العالم العربي. محمد ولد المنى الكتاب: سوسيولوجيا المثقفين العرب المؤلف: أحمد مفلح الناشر: منتدى المعارف تاريخ النشر: 2013