يقول الله سبحانه وتعالى "كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. فبأي آلاء ربكما تكذبان." (الرحمن الآيات 26-28). ويقول سبحانه "وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون. كل نفس ذائقة الموت. ونبلوكم بالشر والخير فتنةً وإلينا ترجعون." (الأنبياء الآيتان 34-35). وعندما انتقل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت وفاته فاجعةً كبيرةً على كافة المسلمين الذين أصيب بعضُهم، ومنهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بالذهول ولم يصدقوا الخبر، حتى أتاهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وبحكمته وعقله الراجح وحلمه ورقته المعهودة عنه أخذ يهدئ من روع الموقف ويخفف عنهم آلام الحزن وحسرة الفراق، ويدخل إلى قلوبهم الطمأنينة والسكينة، ويذكرهم بكتاب الله عز وجل وحكمته وآياته في الكون، فخطب الناس مبتدئاً بحمد الله تعالى والثناء عليه ثم قال:"أيها الناس، إن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت". ثم تلا قول الله تعالى "وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسلُ أفئن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي اللهُ الشاكرين" (آل عمران الآية 144). هذه سنة الله في خلقه وهذه حكمته وإرادته ومشيئته وقضاؤه وقدره سبحانه وتعالى. ونحن البشر لا نملك إلا أن نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. آمنا بقضاء الله وقدره ورضينا بحكمه وسلمنا أمرنا إليه. فقضاؤه وأمره ومشيئته سبحانه وتعالى هو الحق والعدل المطلق الذي لا راد له ولا معقب.
في الحقيقة لقد كان الإعلان عن نبأ وفاة والدنا وقائدنا وزعيمنا ورائدنا وقدوتنا وباني نهضة هذه الأمة وحضارتها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فاجعةً كبيرةً ليس على شعب دولة الإمارات والمقيمين فيها فحسب، وإنما على كل إنسان على وجه الكرة الأرضية تنبض في كيانه ذرةٌ من الرحمة والإنسانية. فلقد وصلت خيرات الإمارات الرسمية بفضل الله تعالى ومنته، من منح وإعانات وقروض، في عهده رحمه الله، إلى 133 دولةً من دول العالم البالغة 184 دولة. هذا فضلاً عن المساعدات غير الرسمية التي وصلت إلى أغلب دول العالم. ولقد فاقت معدلات المساعدات الخارجية مثيلاتها في الدول الصناعية المتقدمة، وذلك حسب التقارير الرسمية المعتمدة من المنظمات الدولية. ولقد عم الأمن والاستقرار في عهده ليس دولة الإمارات فحسب، ولكن كافة دول الخليج العربية.
نعم لقد اختارك ربك إلى جواره في هذه الأيام المباركة، ونسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يرفع مقامك في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء.
نعم لقد اختارك الله إلى جواره في هذا الشهر الكريم، فوسد جسدك الطاهر الثرى، ورفعت روحك الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، ورجعت نفسك المطمئنة إلى ربها راضيةً مرضية، فإلى جنة الفردوس بإذن الله تعالى. بيد أن ذكراك سوف تظل خالدةً ومحفورةً في قلوبنا نحن شعب الإمارات جيلاً بعد جيل. فلقد بنيت، يا زايد، الإنسان وكرمته وسميت بإنسانيته ورفعت من قدره ومقامه قبل أن تبني الحضارة المادية.
لقد كنت، يا زايد رحمة الله عليك، أباً حنوناً عطوفاً رحيماً رفيقاً لليتامى، الذين لم يشعروا بآلام اليتم والفراق في عهدك، وكنت الأخ الرفيق المعين للأرامل، اللواتي لم يشعرن بالترمل في ظلك، وكنت الابن البار لكبار السن، الذين خففت عنهم ألم الإحساس بالحاجة والعوز، وكنت يداً معينةً للفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وكنت يد العدالة التي تمتد لنصرة المظلومين من أبناء الأمة العربية والإسلامية، وكنت العين الساهرة التي تحرس أمن البلاد والعباد، وكنت والداً لكافة المرضى ترعى حاجاتهم، وكنت معلماً ومربياً وقدوةً لكافة أبناء الدولة، بل كنت والداً حنوناً عطوفاً رحيماً رفيقاً لكافة شعب الإمارات والمقيمين فيها وكل أبناء الأمة العربية والإسلامية. فمن منا يملك في قلبه ذرة من رحمة لا يبكيك يا زايد. فكما عاهدناك وأنت حي بيننا على الطاعة، فإننا نعاهدك وأنت تحت الثرى بأننا لن ننساك، لن ننساك، لن ننساك. وسوف تظل ذكراك خالدة في قلوبنا ووجداننا.
ما من شك إن الفضل لله يعود، فهو الذي أسبغ علينا نعمه التي لا تعد ولا تحصى ظاهرةً وباطنة. بيد أن هذه النعم تحتاج إلى أيادٍ طاهرةٍ أمينةٍ نقيةٍ، وقلوبٍ ملؤها الإيمان بالله والإخلاص لطاعته سبحانه وتعالى، وعقول تفكر وتتدبر في آيات الله في خلقه وفي كونه. فكم من دول تملك من الثروات أكثر بكثير مما تملك دولة الإمارات، فلننظر إلى أحوال تلك الدول، ولنمعن النظر، ولنقلب الأبصار والبصائر، ثم لنقارن بيننا وبينهم، ثم لنتدبر بعد ذلك كيف أنعم الله على هذه الأمة بهذا القائد العظيم، رحمه الله، الذي استطاع بعون الله وتوفيقه أن يدير هذه الثروات ويسخر هذه المقدرات لبناء الإنسان ونهضته وتقدمه ورقيه. و


