من المفارقات في الحرب على قطاع عزة، تقرير للقناة الإسرائيلية العاشرة، يفيد بنجاح جيش الاحتلال في إحباط أكثر من ثلاث محاولات خطف جنود داخل القطاع أثناء الاقتحام البري، ليس عبر إنقاذ أولئك الجنود، بل بقتلھم. وقد تحدث مراسل القناة الإسرائيلية للشؤون العسكرية (أور ھلر) عن عمليات عديدة وقعت في غزة لخطف جنود، منھا عمليتان في خان يونس وعملية في بيت حانون، وانتھت كلها بقصف الطائرات الإسرائيلية بكثافة للجنود الأسرى مع آسريهم وقتلھم كي لا يقعوا في الأسر ويضطر الاحتلال للدخول في مفاوضات قاسية لإنقاذھم مقابل آلاف الأسرى وتلبية شروط المقاومة. بل تحدث قائد الكتيبة «101» في لواء المظليين (ابنوعم امونة) بفخر لموقع «واللا» الإسرائيلي، عن إحباط محاولة خطف لأحد الجنود الجرحى داخل نفق في بلدة خزاعة شرقي خان يونس، وكيف أن دبابات الجيش الإسرائيلي نجحت في قتل زميلهم! بعد عام 1986، وفي أعقاب أسر جنديين إسرائيليين من قبل «حزب الله» في لبنان، أكد كبار قادة قوات «الدفاع» الإسرائيلية في حينھا على وجوب وضع بروتوكول يحدد الخطوات التي يتبعھا الجيش في حال أسْر أحد جنوده. وقد جرى وضع تكتيك عسكري أطلق عليه «بروتوكول هنيبعل»، نسبة إلى «هنيبعل»، بطل قرطاجة العبقري، الذي قاد الجيوش عبر أوروبا، واجتاز بها الجبال الوعرة في سلسلتي البيرنه والألب، حتى وصل إلى أبواب روما، والذي يُنسب إليه اختراع العديد من التكتيكات الحربية الدموية في المعارك، والتي ما زالت تُعتمد حتى اليوم، وعلى رأسها سياسة الأرض المحروقة، وضرورة منع عمليات الأسر حتى لو أدى ذلك لقتل الأسير، فجندي قتيل «أفضل» من جندي أسير. إسرائيلياً، جرى تفعيل ھذا البروتوكول (النظام) الجديد بصورة أكبر بعد عام 2003 بحيث يتضمن الھجوم العسكري الشرس من قبل الطائرات والدبابات والمدفعية على المناطق التي يختفي أو يقتل أو يخطف فيھا أحد جنودھا. وقد أصدر رئيس أركان جيش الاحتلال (بيني غانتس) أمراً بإرشاد قادة الوحدات العسكرية بسلسلة عمليات استباقية تمنع أسر جنود وإحباط ذلك بشكل مباشر في حال حدوثه، وحتى لو كلف ذلك قتل الجندي (أو الضابط) الذي يتعرض للأسر. وھذا، بالضبط، ما فعله جيش الاحتلال وارتكب بالتالي مجازر فظيعة عندما قصف أحياء بأكملھا ومسحھا من الخريطة لمنع أسر أي جندي، خاصة في الشجاعية وخزاعة ورفح وخان يونس. وفي إطار تطبيق هذا «البروتوكول» قام جيش الاحتلال بقصف وتدمير كل المباني المحيطة، والسيارات التي تمر في المنطقة بما فيها سيارات الإسعاف، والبيوت التي قد ينتهي إليها أحد الأنفاق الذي كان يوجد بداخله الآسرون مع أسراهم. وأثيرت داخل المجتمع الإسرائيلي العديد النقاشات العامة حول «الأخلاقيات» والإجراءات المعمول بها في جيش «الدفاع». وقد عبّر البروفيسور والفيلسوف الإسرائيلي «آسا كشير»، وهو أحد واضعي ما يسمى «دستور العمل الأخلاقي للجيش الإسرائيلي»، عن غضبه، في مقال قال فيه: «إنه في حال تم اختطاف جنود يجب محاولة إحباط تلك العملية بواسطة إطلاق النار باتجاه الخاطفين، لكن، يجب ألا يكون بالحسبان توجيه نيران باتجاه المختطفين». ويوضح كشير: «بالطبع، هناك صعوبة ما في هذه الحالة: بما أن المختطف موجود قريباً منهم، قد تعرضه هذه النيران للخطر هو أيضاً، إن حياة المختطف أغلى بكثير من ثمن الاختطاف». وأضاف: «إن السماح، من خلال استخدام هذا البروتوكول، باحتمال قتل الجندي المختطف، معناه أن الهدف هو تسهيل المفاوضات بالنسبة إلى الطاقم السياسي في المستقبل. وهذا أمر مغلوط وغير أخلاقي». ثم ختم قائلاً: «المغزى الفعلي لهذا البروتوكول الذي يرى أنه يجب استخدام جميع الوسائل لإحباط الخطف، حتى لو تطلب الأمر تعريض حياة جندي للخطر، يشكل خرقاً للثقة حيال الجندي وعائلته، وتنكّراً من جانب الدولة لواجبها ببذل كل شيء من أجل إعادة المقاتلين إلى وطنهم». ومن جانبه، قال «أوري عيراد»، وهو عقيد في الاحتياط، قائد طائرة فانتوم أسقطت خلال حرب أكتوبر 1973 ووقع حينها في الأسر: «تدبير هنيبعل جريمة أخلاقية لا تحترم حياة الفرد. ليس هناك أهل يفضلون موت ولدهم على وقوعه في الأسر. ومن هنا، فإن محاولة منع الأسر بتعريض حياة المقاتلين للخطر، جريمة أخلاقية تنبع من وجهة نظر فاشية تعطي الأولوية للدولة الإسرائيلية على الفرد. وهذا الفرد المستعد لتعريض حياته للخطر دفاعاً عن الدولة، يفعل ذلك وهو يعلم أن الدولة ستفعل كل ما في وسعها لإعادته حياً، وأنها لن توجه سلاحها نحوه». كما كتب «شلومو غازيت»، الجنرال في الاحتياط والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، مقالاً بعنوان «ينبغي إلغاء بروتوكول هنيبعل»، جاء فيه: «أثار هذا البروتوكول خلال السنوات الثلاثين الماضية نقاشاً عاماً ذا أبعاد أخلاقية. وفي إطار عملية (الجرف الصامد)، أُخذ جثمان الملازم هدار غولدِن خلال الاشتباك في منطقة رفح. طبق بروتوكول هنيبعل، فأطلقت قوات الجيش الإسرائيلي النيران بكثافة، فكانت مجزرة رفح». كما وجهت جمعية «حقوق المواطن في إسرائيل» رسالة إلى المستشار القانوني للحكومة «يهودا فاينشتاين»، طالبته فيها بوقف استخدام هذا البروتوكول، معتبرة أن «استخدام هذا الإجراء في مناطق مأهولة من دون تمييز بين مدنيين ومقاتلين، وهو ما يسبب –بطبيعة الحال– أذى كبيراً وواسعاً، هو وسيلة قتال غير قانونية ومخالفة لقوانين الحرب». يتخلص الاحتلال من الجنود والضباط الأسرى خشية أن تتكرر «صفقة شاليط» مرة أخرى، والتي تعد إحدى أضخم عمليات تبادل الأسرى العربية الإسرائيلية، حتى لو كانت النتائج مجازر كما حدث في الشجاعية وخزاعة ورفح، والتي بحسب مصادر عسكرية لـ«هآرتس»، تم فيها «استخدام نظام هنيبعل، الأكثر عدوانية، بين كل ما مارسه الجيش الإسرائيلي على الإطلاق». كما يؤثر الأسر، سلبياً، على معنويات جيش الاحتلال. بل يشكل إذلالاً له، وهو الجيش الذي طالما تباهوا بأنه «لا يقهر»، لكنه أصبح يقهر بفضل عمليات المقاومة الفلسطينية النوعية، وبات يعاني نكسات.. والنتيجة هي أن الضرر الذي لحق بسمعة إسرائيل، جراء الحرب على قطاع غزة وتفعيل «بروتوكول هنيبعل»، كان كبيراً بحيث أنه غيَّر عدداً من قواعد التعامل بين المقاومة وإسرائيل.