الإستراتيجية الوطنية للتعليم الذكي كمنظومة متكاملة يجب أن تُغطي جميع الجوانب المتعلقة بنشأة طالب خلاّق ومبدع يستطيع الوصول لجذور المعرفة وتفكيكها وإرجاعها لعناصرها الأولية، بل أن يصنعها بنفسه ويأتي بما هو جديد. فمن مخطط ومسؤول ومربي ذكي بمعايير دولية إلى ممارسات مثل تسجيل فيديوهات تعليمية تتضمن جميع الدروس وعرضها على المنصات التعليمية الإلكترونية التابعة لكل مدرسة إلى "السبورة الإلكترونية" التي تحفظ المعلومات وتسجل الدروس ويستطيع الطالب الرجوع إليها في أي وقت في اليوم عن بعد، إلى الكتب الذكية والدروس المربوطة إلكترونياً بروابط وتطبيقات تعكس تجارب عملية من واقع الحياة والعمل، ويلجأ من خلالها الطالب للمكتبة الإلكترونية ومختبرات افتراضيه يمارس فيها إبداعاته وصولاً إلى مواد تعليمية اختيارية يصممها الطلاب ويبحثون فيها طوال العام، وتدرج كمواد حرة ستظهر اهتمامات ومواهب الطالب وتعطي مؤشرات عن ميول الطالب وأوجه التركيز لخلق رسام كبير أو روائي عالمي أو مخترع متفرد بما ينتجه بدلاً من المواد التي يجب أن يمر بها الطالب مجبراً، وهو أسلوب عقيم ومحاولة بائسة للحشو المعرفي. فلماذا لا تكون هناك صالات ألعاب وتسلية تعليمية متنوعة وفصول غير تقليدية لتطبيقات افتراضية تعكس بيئات العمل الحقيقية في المدارس، ويعطى الطالب كل يوم ساعة تسلية ترفيهية تجعل تجربة الذهاب إلى المدرسة رحلة يومية إلى منتزه ألعاب ممتع. فجعل التعليم مسلياً أمر مهم جداً، وخاصة أن العقول والنفسيات تختلف بين طالب وآخر. ومن السمات الرئيسية للمدارس الذكية الناشئة اعتمادهم على البيانات الكبيرة في تنظيم وإدارة مستقبل تطوير مهارات الطالب، الذي يحلل ويستخدم البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات بعد أن يعطى مهمة التخطيط لتطوير حي سكني ذكي مثلاً مع مجموعة من زملائه، وهو تعليم تطبيقي يطبقون من خلاله ما تعلموه نظرياً مما يضع مخرجات التعليم في علاقة مباشرة مع سوق العمل من سن مبكره جداً في ديناميكيته، تسمح للطلاب بخلق المحتوى للاستخدام من قبل الطلاب الآخرين. وبهده الطريقة لا يكون مجرد مستهلكين للمعلومات، فالبيانات الكبيرة ستعيد تشكيل التعلم من خلال عملية التعلم في ثلاث نواح مهمة من خلال ردود الفعل في الوقت الحقيقي Real-Time وتنمية المسؤولية الفردية والشخصية للتجربة التعليمية وخلق التنبؤات والاحتماليات لتحسين ما يتعلمه الطلاب. فنظم التعلم التكيفية تجعل بعض المواد تبدو وكأنها مصممة لتلبية الاحتياجات الفردية لكل طالب. وهناك سمة رئيسية أخرى للمدارس الذكية، وهي أن تصبح "بيئة استشعار بيولوجي"، والتقاط المعلومات عن كل الطلاب ومرافق المدرسة مما يسمح للمستخدمين تتبع وجمع وتحليل البيانات عن أنشطتهم وخاصة الصحة والتربية البدنية، وطريقة التعلم والتفاعل مع البيئة المحيطة وأنواع الذكاء التي يبرز فيها الطالب. فالاستراتيجية الوطنية للتعليم الذكي يجب أن تكون ذكية بدايةً بالتصميم الذي يحفز التعليم والألوان، وتكون صديقة للبيئة، ما يتطلب أن يثبت الطلاب إتقان ما يعرفه قبل التقدم إلى الدرس التالي أو المستوى التالي، وهذا يعني أنه يعكس نقاط القوة واحتياجات ومصالح كل طالب، بما في ذلك تمكين الطالب في ماذا وكيف ومتى وأين يتعلم لتوفير المرونة في رسم الخرائط الشخصية للمعرفة والتعلم. فالتعليم الذكي لا يصب فقط في الكفاءة البحثية والأكاديمية، بل كذلك في الكفاءات الإجتماعية والعاطفية والأخلاقية والنفسية والروحية والثقافية والإنسانية، حتى يكون الطالب عضواً منتجاً في مجتمعه والمجتمع الإنساني الأكبر. وهذا ما تفتقده الاستراتيجيات التعليمية في هذا الجزء من العالم بجانب التغذية الراجعة الفورية بخصوص أهداف التعلم الخاصة بكل طالب في كل مادة، ولا بأس أن يذهب الطالب إلى المدرسة، ولا يحضر الفصول التعليمية، بل قاعات مفتوحة للتعليم، ويكون له في رصيده الأسبوعي ما يعادل يوما تعليميا كاملا يستطيع من خلاله التعلم الذاتي عن بعد من خلال بحثه الذاتي عن مضمون دروس اليوم المحدد، وفي ساعات دراسة هو المسؤول عنها تماماً. والتعليم الذكي يرتبط بالمدن الذكية، ولذلك مساهمة القطاع الخاص في التعلم الذكي حيوية ومهمة على المدى الطويل. ولابد من تشجيع ومكافئة الشركات التي تصمم في مقراتها الرئيسية صالات تعلم لاحتضان الطلاب وتدريسهم طبيعة عملهم وقيام الطالب ببحوث تناسب سنه ومستواه التعليمي، بحوث حول عمل الشركة، على أن يتم تقديمها للشركة، وتحسب كساعات تعلم ميدانية من قبل المدرسة، وتحسب ساعات تطوع الطالب في المستشفيات مثلاً من ضمن تلك الساعات. فالتعليم الذكي ثقافة راقية تقدم الحلول والبدائل المستدامة، وتضفي الطابع الشخصي، إنه أمر يتعلق بتصميم تعليم يتمحور حول الطالب وتسخير مجموعة كاملة من خبرات التعليم في جميع الأوقات خلال اليوم والأسبوع والسنة. *كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات