بعد نجاح الفرنسيين في وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وافتتاح قناة السويس في 17 نوفمبر 1869، اتجهت أنظارهم بقيادة الدبلوماسي الشهير «فرديناند ديليسبس» إلى وصل المحيط الأطلنطي بالمحيط الهادي، من خلال قناة مماثلة، أو قناة بنما. وبالفعل بدأت أعمال الحفر في أول أيام عام 1881، إلا أنه بعد مجهودات شاقة بُذلت على مدار ثمانية أعوام، وبعد إنفاق ميزانية بلغت 287 مليون دولار -مليارات الدولارات بالأسعار الحالية- أعلنت الشركة إفلاسها في 1889، وتوقفت أعمال الحفر، وذهبت مدخرات مئات الآلاف من المستثمرين أدراج الرياح. ويرد هذا الفشل الذريع، بعد النجاح الهائل الذي تحقق في قناة السويس، إلى عدة أسباب، من أهمها انتشار الأمراض الاستوائية بين العاملين في المشروع، وعلى رأسها مرضا الملاريا والحمى الصفراء، حيث وصل عدد الوفيات بين العاملين إلى حوالي 200 شخص شهرياً، وبإجمالي أكثر من 22 ألف وفاة خلال المحاولة الفرنسية البائسة، والتي تولاها من بعدهم الأميركيون واستكملوا الحفر في بدايات القرن العشرين. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يغير فيها طفيلي الملاريا، وفيروس الحمى الصفراء، من مسار ومجرى التاريخ البشري، كما أن مدى ونطاق انتشار هذه الكائنات المرضية، تأثر أيضاً بأحداث ومجريات التاريخ البشري نفسه. ففي حالة الحمى الصفراء، انتشر الفيروس المسبب للمرض خارج القارة الأفريقية، مع ازدهار تجارة العبيد في القرن السابع عشر، وانتقال الكثير منهم لحياة الرق والاستعباد في القارة اللاتينية. وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اعتبرت الحمى الصفراء أخطر الأمراض المعدية على الإطلاق حينها، بحيث كان ينظر إليها على أنها «إيدز» تلك القرون، بسبب ما كان ينتج عنها من أوبئة مرتفعة العدد على صعيد الضحايا، في أفريقيا، وأميركا الجنوبية، وحتى أحياناً في دول القارة الأوروبية، والولايات المتحدة. وينتقل الفيروس المسبب للحمى الصفراء عن طريق لدغة جنس من البعوض (Aedes aegypti)، وهو نفس جنس البعوض المسؤول عن انتشار وباء فيروس «زيكا» الأخير بين دول أميركا الجنوبية، والذي يعتقد أنه انتقل لها أيضاً من أفريقيا. ورغم الانحسار النسبي للحمى الصفراء خلال القرن الماضي، مقارنة بالقرون السابقة، فإنه منذ عقد ثمانينيات القرن العشرين، المنصرم تشهد حالات الإصابة تزايداً مضطرداً، يبلغ أكثر من 200 ألف حالة إصابة، 90 في المئة منهم في دول أفريقيا وحدها، ليلقى 30 ألف منهم حتفهم سنوياً. وحالياً يعيش حوالي مليار إنسان، في دول ومناطق شائع بها المرض، وخصوصاً في المناطق الاستوائية، لأفريقيا وأميركا اللاتينية بالتحديد. ويعتقد العلماء أن الزيادة الحاصلة مؤخراً في عدد حالات الإصابة بفيروس الحمى الصفراء، ترد إلى انخفاض معدلات التطعيم ضد المرض، وزيادة الانتقال والسفر بين الدول والقارات ضمن ظاهرة العولمة، مع التغير المناخي الحاصل ضمن ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو ما يسمح للبعوض الناقل للفيروس بتوسيع مدى ونطاق انتشاره. ومؤخراً عاد هذا المرض القبيح ليطل برأسه بقوة، منذ ديسمبر العام الماضي، في أنجولا بوسط غرب أفريقيا، ونتج عنه وفاة قرابة ثلاثمائة شخص حتى الآن، وهو ما حدا بالحكومة الأنجولية إلى إطلاق برنامج تطعيم واسع النطاق، تم من خلاله تطعيم 7.5 مليون شخص حالياً. وعلى الصعيد الدولي، أثار هذا الانتشار أو الوباء الأخير للفيروس، قلق العاملين في مجال الصحة الدولية، كونه الوباء الأول في أنجولا منذ 28 عاماً، حيث وقع الوباء الأخير عام 1988، هذا بالإضافة إلى طبيعة الوباء المدنية، أي انتشاره بين سكان المدن والحضر، بداية بالعاصمة «لواندا» ومن بعدها في عدد من التجمعات السكانية الكبرى. ومما يزيد من المخاوف حالياً، هو انتقال الفيروس بالفعل إلى خارج الحدود الأنجولية، حيث تم الإبلاغ عن حالات إصابة في جمهورية الكونغو المجاورة، كما تم تسجيل حالات «مستوردة» في كل من كينيا والصين، أي حالات أصيبت بالفيروس أثناء وجودها في أنجولا، قبل سفرهم وعودتهم لبلادهم وموطنهم في كينيا والصين. وتخشى منظمة الصحة العالمية من تكرار سيناريو فيروس الإيبولا، والذي بدأ في غينيا بغرب أفريقيا، لينتشر منها إلى باقي دول المنطقة، ثم بعض دول العالم الأخرى، خلال زمن قصير نسبياً، مما نتج عنه وفاة آلاف الأشخاص – أكثر من 11 ألف- والتسبب في ضرر فادح للاقتصاديات المحلية لدول غرب أفريقيا، وانتشار موجة من الذعر والفزع العالمي، تحملت فيها المنظمة الدولية كثيراً من اللوم والانتقاد، بسبب تقاعسها وتأخر استجابتها للوباء الأولي المحلي من الإيبولا، وهو ما ستسعى المنظمة لمنع تكرار حدوثه هذه المرة، مع وباء الحمى الصفراء الحالي في أنجولا.