اليمن بين حقوق الإنسان والسياسة
تشهد ساحة حقوق الإنسان الدولية تجاذبات حاده بين الفاعلين الرئيسين من الدول والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، وتختلط المقاصد السياسية بالمقاصد الإنسانية في التقارير، وتولي الدول أهمية متزايدة للآليات الدولية لحقوق الإنسان، كوسيلة دولية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، وتشهد دورات انعقاد مجلس حقوق الإنسان استعراض طيف من القضايا الإنسانية والتقارير الملحة، وانطلقت في 13 من سبتمبر اجتماعات الدورة السنوية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف.
مجلس حقوق الإنسان هو الهيئة الحكومية الدولية داخل منظومة الأمم المتحدة المسؤول عن تدعيم تعزيز جميع حقوق الإنسان وحمايتها في جميع أرجاء العالم، وعن تناول حالات انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم توصيات بشأنها. والمجلس لديه القدرة على مناقشة جميع القضايا والحالات والمواضيع لحقوق الإنسان التي تتطلب اهتمامه طوال العام.
وعلى رغم تزايد أهميه ملفات حقوق الإنسان إلا أن الدول العربية تغفل الأهمية التي تلعبها التقارير وقرارات مجلس حقوق الإنسان، فتتعامل لحظياً مع الحدث سواء بالمماطلة والتأجيل، ففي الحالة اليمنية أصدر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة زيد بن رعد الحسين تقريراً في 25 من أغسطس 2016 تحت عنوان «استمرار الصراع وآثاره المدمرة على السكان في اليمن»، وصدر التقرير بتكليف من مجلس حقوق الإنسان، وأشار إلى أن عددا من الادعاءات الخطيرة والمزاعم لانتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في اليمن. وسلط التقرير الضوء على التأثير المباشر للنزاع في اليمن على حياة المدنيين، وعلى الصحة والبنية التحتية. وذكر أن اللجنة الوطنية اليمنية للتحقق في الانتهاكات «لا تتمتع بتعاون جميع الأطراف المعنية، ولا يمكنها العمل في جميع أنحاء اليمن. وبالتالي فإنها غير قادرة على تنفيذ ولايتها وفقاً للمعايير الدولية». وأوصى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، المجتمع الدولي بإنشاء هيئة دولية مستقلة لإجراء تحقيقات شاملة في البلاد.
وفي سبتمبر 2015 تم تشكيل لجنة وطنية للتحقيق من قبل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي كآلية وطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان منذ العام 2011، وقد منح القرار الرئاسي اللجنة كافة الصلاحيات، وأعلنت اللجنة في مؤتمر صحفي عقد في منتصف أغسطس أنها وثقت 9816 حالة انتهاك بحق المدنيين خلال الفترة من مارس 2016 وحتى 30 يوليو 2016. وأن هذا العدد هو ما تم التحقيق فيه ورصده من قبل اللجنة، ولا يعتبر العدد النهائي للانتهاكات. وأكدت أن تقريرها هذا تقرير أولي تم فيه تناول جزء من هذه المهام وأعمال اللجنة، ولم يتطرق إلى تحديد المتسببين والمسؤولين عن كافة الانتهاكات، مؤكدة أنها ستقوم بنشر كافة الانتهاكات وتحديد مرتكبيها في تقريرها النهائي الذي سيقدم إلى القضاء وإلى جميع الجهات المعنية وسيتم نشره وتوزيعه على نطاق واسع.
لم يأتِ تقرير اللجنة الوطنية اليمنية بمستوى التوقعات الدولية ولم ترضِ المفوضية السامية لحقوق الإنسان ولا المنظمات الحقوقية الدولية عن نتائج التقرير على رغم أن اللجنة الوطنية اليمنية أعلنت أنه تقرير أولي، وقال عز الدين الأصبحي، وزير حقوق الإنسان اليمني «إن إيجاد أي لجنة دولية الآن يتضارب مع اللجنة الوطنية ولا يخدم العدالة، وليس اقتراحاً عملياً»، واعتبر أن الدعوة الأممية بخصوص إنشاء لجنة، «تجعل منها رسالة إعلامية أكثر منه رأياً منطقياً، يتسق مع ما هو على أرض الواقع».
وعود على بدء، تقدم الحالة في اليمن مثالًا كلاسيكياً للدول العربية في تعاملها مع ملفات حقوق الإنسان، فالتعاطي مع ملفات حقوق الإنسان والتقارير الدولية رهين ردود الأفعال، ولا توجد خطط استباقيه في مجال يتلاشى فيه الحد الفاصل بين الحقوق والسياسة.