الأسمدة الزراعية.. قنبلة موقوتة!
في بدايات القرن التاسع عشر أطلق الإنجليزي «توماس مالتوس»، المتخصص في الاقتصاد السياسي والدراسات السكانية نبوءته الشهيرة بأن كوكب الأرض سيصبح عما قريب عاجزاً عن توفير الغذاء الكافي لسكانه من أفراد الجنس البشري، المتزايدة أعدادهم بشكل مطرد، ولحسن الحظ لم تتحقق هذه النبوءة -إلى حد كبير- نتيجة ما أصبح يعرف في التاريخ الحديث بـ«الثورة الخضراء» (Green Revolution).
وتجسدت هذه الثورة في سلسلة من الأبحاث، ومجموعة من الاختراقات، والتطورات التكنولوجية، منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى نهاية عقد السبعينيات، أدت في مجملها إلى زيادة هائلة في حجم الإنتاج الزراعي حول العالم. وهذه الثورة، أو بالأحرى المجموعة من المبادرات، قادها حينها العالم الأميركي «نورمان بورلج»، الذي حظي بلقب «أبو الثورة الخضراء» ونسب إليه الإسهام في إنقاذ أكثر من مليار شخص من الموت جوعاً، منذ حينها وحتى الآن.
واعتمدت «الثورة الخضراء» في جوهرها على تطوير أصناف عالية الإنتاجية من الحبوب الغذائية، وتوسيع رقعة شبكات الري الزراعي، وتحديث تقنيات إدارة الموارد الزراعية، وتطوير وتوفير البذور المهجّنة، والتوسع في استخدام المبيدات الحشرية، وفي استخدام الأسمدة الزراعية الكيماوية من قبل المزارعين.
وهذا السبب الأخير، أي الأسمدة الزراعية، المكونة إلى حد كبير من مركبات كيماوية تعتمد على عنصر النيتروجين، أصبح، تالياً، أحد أهم أسباب التلوث البيئي الناتج عن الأنشطة الزراعية، حيث لا تستفيد النباتات إلا من جزء بسيط فقط من الأسمدة الزراعية النيتروجينية في تكوين ثمارها، وباقي أجزائها، بينما يتجمع الباقي في التربة، أو يتسرب إلى المصارف والترع، وخصوصاً في المناطق التي تستخدم فيها الأسمدة الزراعية النيتروجينية بشكل مكثف، فنتيجة كونها سهلة الذوبان في الماء، غالباً ما تتسرب هذه الأسمدة إلى المساحات المائية المحيطة، وإلى مخزون المياه الجوفية لتسبب تلوثه، ويؤدي مثل هذا التلوث إلى آثار سلبية فادحة على البيئة وعلى النباتات والحيوانات، كما يكون لتلوث المياه الجوفية أيضاً آثار صحية سلبية على صحة أفراد المجتمعات التي تعتمد على المياه الجوفية كمصدر رئيسي لمياه الشرب. فمن المعروف أن وصول مستوى النترات في المياه الجوفية إلى مستوى 10 مليجرامات في اللتر يؤدي إلى الإصابة بالحالة المعروفة بـ«متلازمة الطفل الأزرق» (Blue Baby Syndrome)، التي تنتج عن تغير نوع ذرة الحديد المكونة للهيموجلوبين، وهو ما يعوق قدرة الدم على حمل الأوكسجين.
ومؤخراً ألقي الضوء على جانب آخر لهذه المشكلة، من خلال ورقة بحثية نشرت بداية الأسبوع الماضي في إحدى الدوريات المتخصصة في العلوم البيئية (Nature Communication) كتبها علماء الجمعية الجيولوجية البريطانية بالتعاون مع جامعة «لانكستر»، وذكروا فيها أن كميات هائلة من النترات من الأسمدة الزراعية أصبحت مخزونة في الصخور الأرضية تحت أقدامنا، وهو ما يمكن أن تكون له تأثيرات خطيرة من المنظور العالمي، على الأنهار، والمسطحات المائية، والصحة البشرية، وعلى الاقتصاد الدولي أيضاً.
حيث يتوقع العلماء أن تتسرب كميات النترات المحبوسة حالياً في الصخور، التي تقدر بـ180 مليون طن، أي ضعف الكمية الموجودة في التربة، إلى الأنهار والبحيرات والبحار، لتتسبب في ازدهار الطحالب بشكل مخيف ضمن الظاهرة المعروفة بالمد الأخضر أو الأحمر، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى خفض مستوى الأوكسجين في المياه، وموت ونفوق الأسماك وباقي الكائنات المائية، كما أنه أيضاً سيكلف اقتصادات الدول المليارات في شكل تكلفة تنقية مياه الشرب من المستويات المرتفعة من النترات.
وتعتبر هذه الدراسة هي الأولى من نوعها التي تسعى لتقدير كمية النترات المخزونة في الطبقة الصخرية، الواقعة بين التربة السطحية وبين مخزونات المياه الجوفية الأرضية، وبالنظر إلى ملايين الأطنان من النترات التي يقدر أنها مختزنة حالياً في هذه الصخور، وحتمية تسربها بمرور الوقت إلى مصادر المياه -الجوفية أو السطحية- أصبحت هذه الأطنان تشبّه بالقنبلة البيئية الموقوتة، التي ستنفجر تباعاً عندما تؤثر تبعاتها البيئية والصحية في الواقع اليومي، ولذا وعلى رغم أن المشكلة لم تتضح بشكلها الكامل حتى الآن، فإنه من الضروري الإسراع في تفعيل التدابير وتطبيق الإجراءات الكفيلة بإبطال مفعول هذه الكارثة البيئية المرتقبة. فعلى رغم أن الجنس البشري قد نجح في تحقيق ثورته الخضراء، بالاعتماد إلى حد كبير على الأسمدة الكيماوية، مما مكن أفراده من تخطي حاجز السبعة مليارات نسمة منذ بضع سنين، مع توقع بلوغ المليارات الثمانية خلال العقد القادم أو الذي يليه، وربما التسعة مليارات بحلول منتصف هذا القرن، إلا أن ثمن توفير الغذاء لتلك المليارات هو مئات الملايين من الأطنان من النترات القابعة في التربة، وفي الصخور أسفلها، وفي المخزونات المائية الجوفية والسطحية، التي تهدد بأن تنفجر في وجه البيئة التي تحيا فيها هذه المليارات، وأن تتسبب في ضرر صحي بالغ لأفراد تلك المجتمعات.