مع بدء تحول أنظار العراقيين واهتمامهم، من خوض الانتخابات، إلى صياغة دستور بلادهم الدائم، تتحول أنظارهم تبعاً لذلك بالضرورة، إلى نقطة حاسمة فاصلة، تمثلها مدينة كركوك. فهذه المدينة الواقعة في تخوم حقول النفط العراقية الشمالية، تعد مسرحاً لكافة الانقسامات الطائفية الدينية والإثنية والثقافية التي لا تنفصم عراها من تاريخ هذا البلد، حيث يقف المسلم في مواجهة نظيره المسيحي، بل يقف السني ضد الشيعي، والكردي ضد العربي.. إلى آخره. وتعد المدينة نفسها موطناً للتركمان أبناء عمومة الأتراك، وهؤلاء عادة ما ينظرون إلى تركيا المتحفزة لذلك الدور أصلاً، على أنها ترسانة حمايتهم والظهر الذي يستندون عليه، عند الضرورة. وفي نزاعهما الشرس من أجل السيطرة ووضع اليد من جانب كل منهما، على مدينة كركوك، إنما يهدد الأكراد والتركمان عملياً بتحويل مدينة كركوك، إلى مسرح واسع لخوض نزاعاتهما الداخلية، ومن ثم تحويلها إلى ساحة لرحى النزاعات الإقليمية.
أثناء زيارة لي لمدينة كركوك في خريف العام الماضي، كنت قد تحدثت إلى كلا الجانبين، الأكراد والتركمان. وكان واضحاً من كل ما دار بيننا، أن لكلا الطرفين رغبة جامحة وادعاءات راسخة إزاء فرض السيطرة على المدينة وتملكها. فمن جانب التركمان تمثل كركوك مركزاً وحاضرة تاريخية عريقة لكافة أفراد الأقلية التركمانية في البلاد. أما بالنسبة للأكراد، فهي جزء لا يتجزأ من هويتهم الثقافية والعرقية.
والملاحظ أن كلا الطرفين يحاول توظيف العامل الديموغرافي لتعزيز مزاعمه ومطامحه الاستحواذية إزاء المدينة. فوفقاً لآخر إحصاء سكاني أجري هناك في عام 1957، كان تعداد التركمان في المدينة نحو 40 في المئة من إجمالي السكان، بينما بلغ تعداد الأكراد نسبة 35 في المئة، لكي تكمتل النسبة المئوية لتعداد السكان بأقليات صغيرة أخرى عربية، وآشورية وأرمنية وخلافها. أما اليوم فتبلغ الكثافة التقريبية غير الرسمية للسكان نحو 850 ألف نسمة، شهدت فيها الكثافة السكانية العربية نمواً ملحوظاً، بينما حدثت تغييرات مؤكدة على التناسب السابق بين الأكراد والتركمان في المدينة.
وما أن بدأ الغزو الأميركي للعراق في مارس من عام 2003، حتى تقدمت فصائل المقاتلين الأكراد جنوباً، منطلقين من إقليم كردستان المستقل ذاتياً، وهي المنطقة التي تم إنشاؤها في الثلث الشمالي من العراق في عام 1991، وتوغلت تلك الفصائل إلى عمق مدينة كركوك. ومنذ ذلك التاريخ، استغل الأكراد وضعهم باعتبارهم حلفاء وأصدقاء للولايات المتحدة الأميركية، في جلب عوائلهم ورفع صوت مطالبتهم بضم كركوك إلى منطقتهم المستقلة ذاتياً في شمالي البلاد.
ومع أن الدوافع وراء هذه المطالبة، عاطفية في الأساس، إلا أنها لا تخلو من طموحات وأطماع اقتصادية. كيف لا وكركوك تعد منتجاً رئيسياً لنفط العراق، إذ يقدر احتياطي النفط فيها، بنسبة 40 في المئة من إجمالي احتياطات النفط العراقي. وعلى أقل تقدير، تعتبر هذه الحقول النفطية، ورقة ضغط سياسي رابحة، في أي تفاوض ومساومات يجريها الأكراد حول وضعهم ووزنهم في الحكومة العراقية الدائمة. أما تحت أحسن الفروض، فهي لا شك قادرة على توفير الأساس الاقتصادي المتين للحكومة الكردية المستقلة، التي يتطلع إليها أهالي الإقليم.
والشاهد أن الكثافة السكانية التي يتمتع بها الأكراد في المدينة، فضلاً عن مزاعمهم المتشبثة بفرض سيطرتهم ووضع يدهم نهائياً على المدينة، قد أججا معاً نيران النزاع العربي الكردي المستعرة أصلاً منذ أواخر عقد الثمانينيات. فالمعروف حينها أن صدام حسين كان قد أرغم مجموعات كبيرة وواسعة من الأكراد على مغادرة المدينة، وتعمد أن تحل محلها المجموعات العربية. ومع أهمية هذا النزاع وخطورته، إلا أن المنافسة بين الأكراد والتركمان هي التي تمثل التحدي الأكبر، الواجب على الولايات المتحدة مواجهته والتصدي له. وغني عن القول إن ما يعطي هذه المنافسة الكردية التركمانية على المدينة أهميتها، أن للتركمان ورقة سياسية ضاغطة يستطيعون أن يلعبوا بها ويديروا نزاعهم مع الأكراد على أساسها. تلك هي ورقة المساندة التركية للتركمان، واحتمال تدخل تركيا في النزاع إذا ما دعت الضرورة.
وليس ذلك فحسب، بل إن لتركيا مزاعمها الخاصة بها فيما يتصل بما تدعيه من حقوق تاريخية على كركوك. فخلافاً للمناطق العراقية الأخرى التي نزعت من الإمبراطورية العثمانية، بموجب الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمت معها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت كركوك قد نزعت من الدولة العثمانية بموجب معاهدة أخرى مستقلة، هي معاهدة لوزان التي أبرمت في عام 1923. ولذلك فإن القوميين الأتراك، لا يزالون يعتبرون المدينة جزءاً لا يتجزأ من تراب بلادهم. ومن جانبها تشعر أنقرة بمشاعر الكفالة الشرعية إزاء التركمان المقيمين في شمالي العراق. بيد أن كافة هذه المشاعر، ذات طابع عاطفي، أكثر من كونها مشاعر سياسية. ولكن هناك سبباً آخر يدفع تركيا ويثير اهتمامها أكثر من هذه الاعتبارات العاطف