في بقعة من أشرف بقاع الأرض، طاف بها خير بني البشر، وأشرفهم خُلقاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، نطوف بأفكارنا وأعمالنا وأجسادنا في سبعة أشواط من السباحة في ملكوت الأرض والسماء، فلا ندري أننا في أرض أم سماء، أنحن أنفسنا، الذين نمثل اليوم في رياضة في روض من رياض الأرض والسماء، خاشعين، أم نحن أناس آخرين بقلوب وأرواح قد تطهرت وعلت وسمت في عوالم أخرى، غير تلك التي كانت من قبل في تيه وضياع عن الطريق. يطوف الحجاج حول الكعبة المشرفة الشريفة، وكل واحد منهم يطوف بفكره وذاكرته حول حياة قضاها، في طاعة، فيجدد شحن همته بزاد من الإيمان واليقين في حركة دائبة تتفتح لها شرايين القلب، ليعود إليها الدم يجري دافقاً بالخير، أو حياة قضاها في معصية فيلقي وراءه كل أدران الماضي، ليبدأ من جديد بقلب جديد وزمن جديد، بنبض وإيقاع متناغم بين الروح والقلب والجوارح.. للطواف سرّ عجيب، انظر في وجه الطائفين، واسمع أنينهم وبكاءهم، في الطواف تجد معنى الطاعة للحبيب. الطَّوافُ انقياد العبد لربِّهِ من دون توقّف على سبب ظاهر، وهذا جَواب من يقول لماذا الطَّواف سبعة أشواط ولَيْسَ أقَلّ أو أكثر. وَالحكْمة من الطواف إظهار الثّبات على طاعة الله كأنّ الطائِفَ يقول مهما دُرْتُ وحيثُ ما كُنْتُ أثبتُ على طاعة الله. نحن كمسلمين نطوف بعكس اتجاه عقارب الساعة مع أننا في كل عباداتنا وفي كل أمورنا نبدأ باليمين. ووجد العلم الحديث أنه في حالة الطواف عكس اتجاه عقارب الساعة، فإن القلب يكون قريباً من الكعبة، والدم يبدأ دورته عكس اتجاه عقارب الساعة.. كما أن الشمس تدور في مجرتها عكس عقارب الساعة، والمجرات تدور عكس عقارب الساعة، والقمر أيضا يدور حول الأرض عكس عقارب الساعة، ونحن أيضاً ندور حول الكعبة بعكس عقارب الساعة، أي أننا نتوحد مع الكون كله في تسبيح الله تبارك وتعالى.. الطواف دَوَران الشيء على الشيء، وأن يُحفَّ به، ثم يُحمل عليه، يقال طاف به وبالبيت يطوف طَوْفَاً وطَوَافاً، واطَّاف به، واستطاف. ثم يقال لما يدور بالأشياء ويُغَشِّيها من الماء طُوفان. ومن الباب: الطَّائف، وهو العاسُّ. والطَّيْفُ والطَّائف: ما أطافَ بالإنسان من الجِنَّان. يقال طاف واطَّاف، قال الله تعالى: «إذا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَان»ِ الأعراف 200، وطائِفٌ أيضاً. قال الأعشى: وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُّرَى وكأنَّما ألمَّ بها من طائفِ الجنِّ أولَقُ عبد الغني النابلسي: كعبة الحسن أسفرت بالجمال وتبــدّت لصاحـــب الأحــوالِ ولها مقلـــــــة مـــن الحجـــر الأســـــود ترنو ببهجــة ودلالِ ريقها زمـــــزم يمـــجّ بعـــذب ســــــائغ للمتيميــــــــن زلالِ وحطيــــم محبهــــــا بغـــرام صـــبّ ميزابــه بفــرط جــلالِ وأشارت إلى الطــواف بوجـــه يفضــح البدر بالســنا والتلالي Esmaiel.Hasan@admedia.ae