من قال إن الخليج العربي مالح، كذبة اخترعها الإنسان عندما أراد أن يستولي على الموجة التي تغسل عار تاريخه في البطش، والاستيلاء على حرية الزعانف، وعفوية الأعشاب البحرية، الخليج العربي نافذة الرؤى الواضحة، ولا يحتاج إلى غموض ولا إلى رموز مشفّرة، تُظهر غير ما تبطن، وتخدع العالم بمنظومة من الأكاذيب لتمرر مشروعاً بغيضاً، وتحقيق أهداف راحتها تشبه رائحة عمامة تخفي ما تخفي من مآرب شيطانيّة، وخطط عدوانية، وأسباب خفيّة يفضحها السلوك، رغم علو كعب الأقوال الخاوية من المعنى، والتي تتسرب من وجدان كيان زيف الدين، والمفاهيم، غالط، وغلط، واشتط فانحط، ومد حبل اللغط، ولم يحط إلا على ظهر قوقعة، فسقط.
هكذا هو الذي قال إن بحر الخليج العربي مالح، وتمادى في افتراء، وهراء، وجرى خلف ظلّه يعتقد أنه كلبه الذي حبس أنفاسه عندما ترك الكيان والبنيان، يتهاويان، وتنسحب موجة الخليج العربي عن ذلك الشيء الذي يقال عنه بيان، وأحياناً يقال عنه بنان، ولكن كل هذا الشؤم سوف ينتهي وتتلاشى عنه الصورة الوهمية، ويتلاشى من غرق في الدخان حتى ذوائب الرأس واللحية الشوهاء، والفم المملوء بالكذب، وكل ما يتعلق بالخذلان.
فكذب المنجمون الذين كذبوا وكذبوا، وكذبوا، مثلما كذب هتلر، وذهب في ثياب كذبه، التي أصبحت كفناً، لصولجان الصورة الوهمية التي صنعها، وأصبحت بعد حين الرصاصة التي أنهت تاريخاً من الكذب والخيال المريض. الخليج العربي ليس مالحاً، وإن مشت على ظهر موجته قوارب الحنث، والخبث، والرث، ولأنه عربي فسوف تكنس الغبار عن محياه، مهج العشاق والذين اسمرت سواعدهم، وهم يملأون البحر من مواويل البوح الجميل، ويرفعون النشيد، عالياً، لأجل أجيال ترسم الحب لآلئ، وتكتب على صفحة الموجة أسماء الذين، غنوا للحياة غنوا للشراع، كي يستمر بالرفرفة، ويستمر بملاحقة النجمة، كي تبري العتمة وتمنحها الضوء تمنحها الوضوء، تمنحها النشوء والارتقاء إلى درة فاقت في جمالها نور القمر، ومقلة الغواص لم تزل تحفظ الود، والسد، ولو تعكرت الموجة بحثالة رغدة، سيبقى الخليج عذباً في وجدان من عشق الملح ولو في فص محارة، أو نص قصيدة. اليوم ونحن نتابع المشهد ونرى ما يرى الحالم في ليلة ليلاء، نتذكر ذلك القارب الذي شق مهجة الخليج العربي ببيت قصيدة عصماء، رفعت إلى السماء اسم قائلها (يا خليج، يا واهب اللؤلؤ، والمحار والردى) بدر السياب.
أتخيل لو أن هذا الشاعر العربي العراقي نهض اليوم من قبره، ورأى ما نرى، لصنع من أبيات قصيدته سيفاً بعظمة الخليج، وردم الحفرة السوداء التي تخندق فيها أصحاب البؤس، والرجس، وخلص العالم من رائحة ثقافة بنيت على الحنث، والخبث، واستولى عليها طاغوت فكرة عصابية مريضة، لا شفاء منها إلا البتر.


