لم أعرفها إلا وهي بذاك العمر طوال ما كنت أراها ويراها الجميع، وطوال عيشها في ذاك البيت المصنوع من الجريد والقابع في وسط نخلها الممتدة بالأذرع شرقاً وشمالاً حتى تلاصق الجدار الطيني لسكيك واحة العين، سكنها في ذاك العريش الذي يدخله هواء الخضرة والأشجار المختلفة من ليمون وفرصاد وهمبا وسفرجل وتين من جهاته الأربع، ولها مجلس ملاصق له تقضي فيه كل يومها، في حين كان مخزنها أو البخّار مبنياً بالطين، وكذلك الدَرس الذي تسكنه بقرتها وبعض من مَعَزها ودجاجها.
كانت في عمرها ذاك أقرب لأن تكون عجوزاً تشدها سنوات الأربعين للوراء، كان الجميع أطفالها، والجميع إخوانها، وكل النساء الصغيرات لا يختلفن في مناداتها مرة بخالتي ومرة بعمتي، كانت تجمعنا قصصها المسائية وحكايتها الموعودون بها بعد العصر، والتي يشاركنا فيها كثيراً الكبار من رجال ونساء، حيث يصحبون من يسكنون بعيداً إلى بيوت أهاليهم قبل أن يحلّ المساء، فالظلمة بعد المغرب في تلك السكيك وبين النخيل غالباً ما يشارك الأهالي فيها سكان الأراضين أو تتبعنا ظلال شخوص القصص والحكايات التي كانت تسردها علينا.
مرات ننام في مكاننا، ومرات على رجلها، والصغير الخائف من الحكايات يلجأ إلى حضنها، كانت لها رائحة أشبه برائحة النخيل بعد المطر أو «فوعة السمنّة» بعد ندى الفجر.
لا ندري كيف كانت تخزّن تلك الحكايات في صدرها، وكيف تقصها بذاك الصوت الذي لا يختلف عن الدفء، وعن هبوب مهب الغربي، وعن هسيس أوراق الشجر الذي تناديه الريح، كانت في نهاية قصصها تردنا إلى تلك السردية اللغزية «سويره وبنتها، كم تحتها»؟ هي تعدد بيوت الحارة كل مرة بيتاً أو بيتين أو ما يسمح به الوقت من ذكر البيوت، ومن فيه من الأولاد والبنات، ونحن نحرز بيت فلان فرحين إن عرفناه.
عرفنا «عنتر بن شداد العبسي» و«الزير سالم» وحكايات من ألف ليلة وليلة، وقصصاً كثيرة كانت تستلهمها من الصحراء ورمالها، حيث موطن والدها، والتي كانت ترافقه في بعض رحلاته أو أثناء الصيف والمقيض حين يضعن بـ «الجريات» من الجزيرة أو من ليوا إلى أم سبع البلادين، وخراريف من جهة الساحل، حيث تربت وقتاً مع أمها، وعاشت قرب ملح السيف، وما تحكيه السفن بعد غياب في الماء لأشهر تطول، كانت حكايات مسلية ولا تمل، كانت تقصها علينا لنسافر معها ومع أحلامنا على بساط الريح أو مغامرات سندباد، ونوادر أبي نواس وجحا، وقصص عن ابن ظاهر وبنته سلمى، وحكايات كانت بالتأكيد من صنع خيالها، وما توحي به اللحظة وأجواء تلك النخل التي كانت تقبع في وسط واحة العين، وتحرسها عيون الجميع.


