اجتيازات النقد
مؤكد أن هناك تحديات معرفية كثيرة تواجه الناقد الأدبي في هذا الزمان. أول هذه التحديات تتصل بالطبيعة البينية للنقد الأدبي. أقصد إلى هذه الطبيعة التي تضع النقد الأدبي في علاقة تماس مع علوم التاريخ والاجتماع والنفس واللغة، فضلا عن غير ذلك من علوم مغايرة؛ فالناقد الأدبي يدرس الأعمال من حيث هي كلمات في آخر الأمر. وهذا أمر يفرض عليه دراسة علوم اللغة ومجالاتها وأقسامها ونظرياتها، صرفا ونحوا ودلالة وتراكيب ومعاني، وهو أمر يقوده إلى علوم السيميوطيقا وغيرها من علوم الاتصال الحديثة. لكنه في الوقت نفسه يدرس البناء اللغوي للعمل الأدبي من حيث إشارته إلى وقائع تاريخية، الأمر الذي يصل بينه وعلوم التاريخ الذي لابد أن يستفيد من مناهجه عندما يدخل دائرة التاريخ الأدبي الذي تتعاقب فيه الأعمال الأدبية رأسيا. أما إذا نظر الناقد إلى كلمات العمل الأدبي من حيث دلالاتها على مشاعر نفسية بعينها، سواء عند الكاتب أو عند القارئ. فسوف يجد نفسه يقترب من دراسة علم النفس، سواء في مجال الإبداع أو التلقي، أما إذا تجاوز النقاد الكلمات من حيث هي دلالات على مشاعر نفسية بوصفها علامات على أحداث تاريخية، فقد دخل هذا الناقد دوائر علم التاريخ في العصور التي يمكن أن يشير إليها العمل الأدبي أو حتى يعالجها كما يحدث فى الرواية التاريخية.
لكن فكرة تماس النقد الأدبي مع غيره من حقول المعرفة تجاوز العلوم الإنسانية، فهناك علوم الإحصاء التي قد يحتاج إليها الناقد عندما يريد إحصاء كلمات دالة بعينها واستكشاف دلالات ترددها على هذا النحو أو غيره. ويمكن أن يجاوز الناقد ذلك فيتصل بعلوم الأصوات، كما حدث مع الذين درسوا موسيقى الشعر، كما فعل محمد مندور على سبيل المثال في فرنسا. وقد كتب عن هذه التجارب فى كتابه «الميزان الجديد». وكان ما فعله مندور ريادة في هذا المجال سرعان ما تبعته محاولات لاحقة. لكن إذا عدنا إلى الموضوع الأساسي وهو صلة النقد الأدبي بغيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية اكتشفنا أن النقد الأدبي هو علم بينيّ بامتياز.
ولذلك أتذكر نفسي بابتسامة مشفقة عندما كنت أؤمن أن النقد الأدبي علم لابد أن يستقل بمنهجه استقلاله بموضوعه. وها أنذا أعترف أنني كنت واهما، وأنني عندما كنت أقول ذلك كنت متأثرا بالبنيوية، لكن بأكثر مفاهيمها سذاجة. الطريف أن هذه الدعوة كانت تنطلق من تطبيق النموذج اللغوي عند دي سوسير على الأدب، وأيامها كتب البعض واصفا الناقد الأدبي بأنه أصبح في رعاية علم اللغة إلى أن جاء جاك دريدا وتفكيكه، فأعاد النقد إلى الفلسفة. ولذلك انتهى بي الأمر إلى أنه من الممكن الحديث عن استقلال النقد الأدبي بمنهجه، لكن بشرط أن نفهمه بوصفه علما بينيا يتماس مع غيره من العلوم.