يأفل الخريف، ولا يأتي المطر إلا قليلاً، ليسمح له بأن يسحب البقية من أوراقه المتساقطة! يأفل الخريف، حاملاً من الألوان أصفرها، ومن الرواتب أساسها، لتلبس الرواتب ثوبها الجديد في العام الجديد بفعل المكرمات، والحلم يتواصل بمزيد من المبشرات، وبكثير من الزيادات، ولكن الزيادات السوقية التي لن يهمها إعلان وزارة الاقتصاد في تصديها ''الصحفي'' للتجار المتلاعبين بالأسعار وبزيادات الحكومة· خريف يلقي بأوراقه هنا وهناك، يحمل عصاه ويرحل، ليأخذ معه ''دولارات رأس الخيمة'' المزورة·· كأن الورقة البيضاء يمكن أن تحل بسهولة محل الورقة الخضراء التي ما زالت تقاوم رغم تدهور صرفها، لأن الكل يحبها ويثق بها ويؤمن بمستقبلها· لكن التقرير التلفزيوني عبر إحدى شاشاتنا الفضائية، وصف الجناة، بأنهم سولت لهم أنفسهم بالتلاعب في الأمن الاقتصادي للبلد، فنالوا جزاءهم بالسجن ليكونوا عبرة لمن ''لا يعتبر'' بحسب النص الحرفي للتقرير الذي أعده المحرر، ومر على رئيس التحرير وقرأه المذيع دون تصرف، ودون اعتبار للحقيقة أن العبرة لمن يعتبر يا أولي الألباب! ومن عبرات الخريف الآفل، تساقط زملاء المهنة من صحفي العراق واحداً تلو الآخر، مع أن أوراقهم ما زالت خضراء، وصفحاتهم ناصعة ولكن الحيلة والغدر من شيم الإرهاب الأعمى الذي يستوطئ حائط الصحفي و''ماكو خطية'' وماكو ضمير ولا قلب رحيم، لا عند المليشيات، ولا عند الأميركان الذين تساقط جنودهم كأوراق الخريف، وسجلت الأحداث عام 2007 كأسوأ عام لهم في العراق، حيث بلغ عدد القتلى 4 آلاف، والجرحى 29 الفاً، وحسب الديمقراطيين في اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونجرس، فإن كلفة ما يجري في العراق بلغت حتى الآن 1,5 تريليون دولار· أما الخريف الفلسطيني فقد بدأ مبكراً هذا العام بتحرير غزة من فتح، وسيطرة حماس على كل شيء ما عدا الكهرباء والماء والغذاء والدواء والجو والبحر والحدود، وطبعاً البنزين الذي هو تحت سيطرة إسرائيل، أما الأنفاق السرية- العلنية فقد تحول دورها من تهريب السلاح إلى تهريب السجائر! ففتح تدخن وحماس تبيع السجائر، وتجمركها بنسبة 30% ولا أحد يريد الاعتراف بأن الانتحار لعبة سياسية قذرة فضلاً عن كونها جريمة أخلاقية ودينية، ولكنها لعبة استمرأها البعض لفصل غزة عن الضفة، لقد راحت أيام كان الخريف الفلسطيني ''خريف غضب'' ضد الاحتلال· أما الحال العربي فهو على نفس الموال، من لبنان المأزوم إلى السودان المهموم، ومن الجزائر المزكوم من زيارة ساركوزي، وما يلوح به الإرهابيين بين الحين والحين، إلى مصر المحتقنة، والمزدحمة، والممتحنة، إلى اليمن ''السعيد'' بوحدته، المهموم بتظاهرات المتقاعدين والعاطلين والمتقاعسين بعد تمرد الحوثيين، إلى سوريا المتململة، المنتظرة، القابضة جمرة الغضا، إلى الخليج المتوجس إن هبّت رياح السياسة أو ذرت رياح الاقتصاد· وما يزال الخريف يلقي بأوراقه، فإذا ابتعدنا عن السياسة يحلق لنا الاقتصاد، وعنوانه التضخم والبطالة ونار الأسعار التي تأكل الجيوب وتدمي القلوب في كل مكان· ومن أوراق الخريف العربي في هذا المجال ما أكده مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بأن المطلوب فقط 100 مليون وظيفة وفرصة عمل للعقدين المقبلين على العرب، لأن البطالة بلغت أوجها، وهي تتراوح بين 24 و 32 في المائة، والبركة في خطط التنمية الفاشلة في وقف كرة الثلج عن تدحرجها بعدما شبع شبابنا من هتافات الإذاعات: ''نحن الشباب لنا الغد''· هذا غيض من فيض الخريف العربي الذي لم يكتف من تساقط الأوراق، بل أسقط كثيراً من الأحلام والأوهام، أما الأماني فما زالت في الأغاني، ولا سر من رأى بما جرى في الوطن العربي الكبير·