العين والأذن
في سفر الجامعة، في العهد القديم، ينثر الحكيم الجامعة أمثاله المحكمات التي هي خلاصة حياة مكثفة، وإشارات مضيئة لحيوات واعدة، ولا أزال أذكر من بين هذه الأمثال المحكمات ما يتصل بدور العين والأذن في مدى الإدراك الحسي والجمالي على السواء خصوصا الكلمات التي تقول: لا تشبع العين من النظر، ولا تمل الأذن من السمع· وهي كلمات بالغة الدلالة على الدور الحيوي الذي تؤديه العين في الاستمتاع بكل ما يقع في مدى إدراكها الجمالي لموضوعات الطبيعة وموضوعات الفنون البصرية على السواء، الطبيعة التي تنطوي على جمالها الخاص الذي خلقه الله فيها، أو خلقها به، لتكون عامل جذب للعين التي لا تكف عن النظر إليه، وترى فيه علامة على بديع صنع الله في الطبيعة، وذلك بالمعنى الذي أشار إليه الشاعر أحمد شوقي عندما قال:
تلك الطبيعة قفْ بنا يا ساري
حتى أريك بديع صنع الباري
إن العين التي تدرك الجمال الإلهي في الطبيعة، عفويا، بكرا، عذبا، صافيا هي عين تتعشق في هذا الجمال خالقه، وتستغرق فيه، إلى درجة تجعلها لا تمل من النظر، ولا تشبع من التحديق، وعندما يحاول الإنسان أن يقتنص بعض مظاهر هذا الجمال لنفسه، ويحاول تصويره في لوحة، أو التقاطه في صورة فوتوغرافية، أو تجسيده في معمار أو هيئة تمثال، فإنه يحاول أن يقتبس من جمال الطبيعة ليعيد إنتاجه بكل أداة ممكنة من أدوات الفن، وعندما يفلح في ذلك فإنه يغوي عين من يتلقى عمله الإبداعي، ويفتنها بما يجعلها لا تمل من النظر ولا تكف عن التحديق من كل الزوايا الممكنة، لعلها تدرك المعاني اللانهائية الكامنة في اللوحة أو المشهد أو الصورة·
وقل الأمر نفسه على الأذن التي لا تمل من السمع عندما تدرك التناغم بين الأصوات الطبيعية في كائنات الطبيعة الحية أو ظواهرها، وهو تناغم يتيح للسامع أن يشعر الجمال في نظام إيقاع الأصوات، أو يدرك الجمال الذي يحيل فوضى الأصوات في الطبيعة والحياة اليومية بصخبها وعنفها إلى نظام إيقاعي ينبني على التنوع الذي هو الأصل في كل إيقاع، خصوصا من حيث هو مراوحة نوعية بين التوقع النغمي وإحباطه، وهذا هو الفارق بين الضوضاء والموسيقى، بين كلامنا العادي والشعر، أعني الفارق الذي يجعل تكرار دقات الساعة صوتا مملا، وتموجات أوتار الكمان عملا فنيا·