الأربعاء 20 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الحب يستغيث

الحب يستغيث
1 سبتمبر 2005

القاهرة ــ سارة صلاح :
لا أريد أن أكتب، أريد أن أفهم!
أريد أن أفهم الحب، أعرف هذه المشاعر العفوية وتأثيرها السحري حين تغزو قلب شاب جامعي مثل 'شريف' مليء بالحماس والأحلام والفتوة· أعرف كيف يترنح عقل الطالب بالسنة النهائية بكلية الهندسة بين كثرة المناهج وصعوبتها ورهبة الامتحان والخوف منه· أعرف أن القلب وقتها يكون ضعيفاً شفافاً سريع التأثر سهل الوقوع في الحب!
يدخل البيت ويأكل ويذاكر مع رفيق دراسته منذ الطفولة، حتى بعد ان فرق بينهما مكتب التنسيق فدخل هذا كلية الهندسة والتحق الثاني بكلية الطب·
الجميلة الخجول
نعم كانت 'صفاء' هناك دائما··· هذه البنت الجميلة الخجول التي نادرا ما تتكلم كأنها زهرة صغيرة مغمضة لم تتفتح بعد· تدق برفق على باب الحجرة التي يذاكر فيها مع شقيقها كأنها عصفور الصباح ينقر على زجاج نافذة على استحياء· تقف على الباب حاملة 'صينية الشاي' مترددة واخوها يدعوها للدخول مبتسماً من خجلها، أما 'شريف' فقد كان يحتويها بنظرة معبرة وكأنه لا يريد أن يتعجل مشاعره·
كان واثقا من أن الزهرة المغمضة تحتفظ برحيقها وعطرها له وحده، وعندما نجحت 'صفاء' في الثانوية العامة بمجموع كبير واجتمعت العائلة فرحة يسألونها أي كلية ستختار ويرشحون لها الآداب أو الحقوق· قالت بصوتها الخفيض: اقتصاد وعلوم سياسية· ووسط دهشة الجميع استدارت نحو 'شريف' الذي جاء يشارك الأسرة فرحتها، وسألته: موافق؟
وساد صمت بين الجميع، وتلجلج شريف، واخيرا أومأ موافقا وهو يدرك في قرارة نفسه أن سؤالها له أمام الجميع يعني سحب الاعتراف الجماعي منهم بمشاعرها نحوه، الآن أصبح حبها معترفا به بعد أن تفتحت أوراق الوردة!
أعرف مشاعر الخطيبين، 'الدبلة' في أصبع يد 'صفاء' اليمين تاج أنوثتها، وحلقة تدور فيها أحلامها عن مستقبل أيامها مع شريك العمر· 'الدبلة' في أصبع 'شريف' تلمع باصرار على أن يصنع مستقبلا أفضل وقد تخرج وأصبح مهندسا وكادت 'صفاء' أن تنهي دراستها الجامعية· يعني الأيام والشهور محسوبة· ولابد من الاسراع بتأثيث عش الزوجية· شاطئ النيل عند المعادي كان شاهدا عليهما· كم من المرات بعد الغروب جلسا أمام النيل يحلمان والأحلام حلوة لكن ألم الواقع يصدمهما واعلانات الصحف تتحدث عن شقق تمليك أسعارها تنتهي الارقام فيها بأربعة أصفار! وما أصعب ان تخرج شقة تمليك لسانها، للحب!
عذاب الغربة
أعرف الغربة، وعشت عذابها! وأعرف الفرحة التي لابد انها ملكت الخطيبين الشابين حين سنحت الفرصة وهبط من السماء على رأس 'شريف' عقد عمل في بلد عربي··· أخيرا سوف تتحقق الأحلام، أخيرا آن للحب ان ينتصر على الواقع وشقق التمليك· وأدرك قدر المعاناة التي لابد ان 'شريف' عاشها في البلد العربي وحده عامين· قبل ان يتمكن من استدعاء 'صفاء' لتكون بجواره هناك لابد انه تعب كثيرا في عمله فهم هناك يعطون الكثير لكنهم يستنزفون من العامل كل جهده· لابد انه قضى أياما كثيرة مغموسة في الملل وهو يغسل ملابسه بنفسه ويعد طعامه بنفسه فإذا أقبل الليل ألقى بجسده المتهالك على الفراش، ليحدث نفسه! ولابد انه بعد ان لحقت به 'صفاء' وعثر لها بعد جهد على وظيفة، قضيا الليالي يحسبان ما تمكنا من ادخاره، وما يجب عليهما ادخاره، لكي يتمكنا من شراء هذه الشقة في المعادي القربية من بيت عائلة 'صفاء'· والمبلغ المطلوب لتأثيثها ثم المبلغ المطلوب لشراء سيارة صغيرة تتسع للأسرة وقد انتفخت بطن 'صفاء' واعدة بمولود قادم· ولابد انهما بعد ان جاءت 'صفاء' بطفلة جميلة تشبها وضعا في حساباتهما عامين آخرين في الغربة ليعودا ومعهما رصيد معقول يواجهان به أعباء الحياة· وأعرف مشاعر السعادة التي لابد انها غمرتهما وهما أخيرا يعودان للوطن· وما أحلى العودة للوطن حتى وان كانت الشقة والسيارة والرصيد ثمار العمل في بلد آخر!
أعرف الزواج، لكنني لا أفهمه! فما أجمل ان يوصد الباب على زوج وزوجة متحابين· وما أروع أن يعيشا في هدوء واستقرار بعد أعوام من الغربة والتشتت· جميل ان يعود 'شريف' من عمله في نهاية اليوم وهو يحمل في يده لفافة حلوى لصغيرته وفي قلبه وعد بمزيد من الحب لزوجته· ورائع أن تستقبله 'صفاء' بكل الحنان والعطاء، فتنسيه هموم اليوم ومشاكل العمل· وتقضي الأسرة الصغيرة الأمسية في سرور يتحدثان، يتضاحكان، يحبان!
هل يقتل الزواج الحب؟
لماذا يتغير الزوج بعد سنوات؟ لماذا تلتصق التكشيرة بوجهه إذا وضع قدمه على عتبة بيته؟ لماذا يفقد الذاكرة اللغوية وينسى كلمات الحب وبدلا من أن يهمس لها 'أحبك' يصرخ في وجهها: زرار القميص مقطوع كالعادة؟ لماذا بعد ان تنجب الزوجة الأطفال تتحول إلى مخلوقة أخرى لا هي أنثى ولا هي رجل··· مخلوقة متعبة دائما، 'منكوشة' الشعر 'مبهدلة' الملابس، عصبية ومتحفزة للانقضاض وكأنها في حالة حرب مع عدو لا مع زوج كان حبيبا في يوم من الأيام؟
لماذا بعد ان انجبت 'صفاء' طفلين آخرين لم يعد الجيران يسمعون ضحكاتها مع 'شريف' وإنما صراخهما وشجارهما وعراكهما طوال الليل؟ لماذا أصبح يتهمها، بأنها مهملة للبيت حتى انها أحضرت خادمة لتعد له وللأطفال الطعام؟ ولماذا كانت تصرخ فيه طوال الوقت بانه هو الذي أهملها وأهمل بيته وأطفاله واصبح يتحجج بالعمل ليتغيب كل النهار وبعض الليل والله أعلم أين يذهب؟ وكيف امتدت يد 'شريف' ذات ليلة على ان تنهي المشادة بصفعة قوية على وجه 'صفاء' يده التي طالما قبلتها في أيام الزواج والحب الأول! ولماذا بعد ان لملمت بعد منتصف الليل حاجاتها وجمعت أطفالها الصغار وانطلقت إلى بيت أهلها غاضبة صفع الباب خلفها بقوة· وصرخ بصوت عال: في ستين داهية!
صراع على الشقة
أعرف القانون، لكنني أيضا لا أفهمه! وأعرف لماذا لجأت 'صفاء' إلى النيابة بعد ان استحالت محاولات الصلح بينهما وبين 'شريف' وتعصب كل طرف لموقفه وأن الطرف الآخر هو المخطئ·
قالت 'صفاء': الشقة من حقي، ولن أتركها له ليتزوج فيها بعد ان يطلقني· وقال شريف: لن تدخلها ابدا ما دمت حيا! لكني لا أفهم، قرار النيابة! أفهم القرار نظريا على الورق 'تمكين الزوجة من شقة الزوجية لانها حاضنة' كلام صحيح من الناحية القانونية لكن··· كيف تعود، وهناك زوج ينتظرها بالويل والثبور؟!
لم يسأل أحد نفسه هذا السؤال، وفي نفس اليوم تركت 'صفاء' أطفالها الثلاثة الصغار في بيت أهلها ضاربة عرض الحائط بتحذيرات أمها التي نصحتها ألا تذهب بمفردها للشقة، لكن 'صفاء' انطلقت إلى قسم الشرطة ومن هناك اصطحبت ضابطا ليقوم بتمكينها من الدخول إلى شقتها كما قررت النيابة، ونفذ الضابط مأموريته وأوصلها للشقة· وأوضح لشريف ان زوجته تحمل قرارا من النيابة بدخول الشقة وان عليه احترام قرار النيابة ثم انصرف الضابط!
وبعد ساعة اتصلت 'صفاء' تليفونيا بأمها وصرخت بصوت هيستيري الحقيني يا ماما، وانقطع الخط!·
قال شقيقها الطبيب لمفتش المباحث وهو يبكي: أسرعت اليها بعد المكالمة اخذت أدق الباب فلم يفتح احد قمت بمساعدة الجيران بكسر باب الشقة لم أجد شريف ووجدت أختي جثة هامدة!· وكالعادة في جرائم القتل تم اخطار مدير أمن القاهرة وحين طلب مدير مباحث القاهرة من رئيس المباحث الاسراع إلى مسرح الجريمة عثر على جثة 'صفاء' على الأرض في حجرة النوم· كانت قد تلقت طعنة سكين في رأسها ولكنها ماتت 'مخنوقة'· كانت آثار أصابع شريف لا تزال علامات زرقاء على رقبتها!
وبدأ رجال المباحث تحرياتهم للقبض على الزوج الهارب· تأكدوا أولا من انه لم يغادر مصر، ثم انطلقوا يبحثون عنه في الأماكن التي يحتمل انه اختفى فيها وبعد أيام اكتشفوا انه يختبئ في شقة الخادمة بالهرم بعد ان كان قد عرف انها سافرت لأهلها في الإسكندرية· وحين داهموا الشقة لم يقاوم 'شريف' وإنما استسلم وهو يبكي زوجته الحبيبة التي قتلها في لحظة جنون، يبكي الحب ويبكي مستقبله الذي تحدد اما بحبل المشنقة أو بقضاء بقية عمره في السجن، ويبكي المصير المجهول الذي سيواجهه ثلاثة أطفال صغار أبرياء لا يعرفون لماذا قتل أبوهم أمهم!·
صدقوني، لم أكن أريد أن أكتب، كنت أريد أن أفهم
··· ولم أفهم!·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©