القاهرة - طارق حسين:
37 عاماً هو عدد السنوات التي أمضاها السفير المصري أسامة حجاج في العمل الدبلوماسي، تولى خلالها العديد من المناصب وعاصر احداثا ومواقف مهمة؛ فقد عمل في البعثات الدبلوماسية لمصر في: المجر، والارجنتين، وقنصلاً في جنيف، ونائبا للسفير في رواندا وايرلندا، وقنصلا عاما في شيكاغو وسفيرا في المجر، الى جانب عمله في ادارات المعلومات والابحاث والشؤون الافريقية والسلك الدبلوماسي والقنصلي
نشأ الحجاج في القاهرة وتلقى تعليمه في مدارسها، وحصل على الثانوية من المدرسة السعيدية ثم تخرج في كلية التجارة قسم ادارة الاعمال جامعة القاهرة عام ·1963
وبدأت التفكير في كيفية الالتحاق بالسلك الدبلوماسي خاصة وان شقيقي السفير احمد حجاج كان يعمل في الخارجية في ذلك الوقت· وخلال تلك الفترة عملت في مكتب رئيس الوزراء علي صبري وكنت أستعد لاختبارات الخارجية·· وفي عام 1965 تقدمت للاختبارات ضمن 1500 متقدم نجح منهم ··30 ثم تم الحاقنا بدورة تدريبية لمدة شهرين في الوزارة حاضر فيها سفراء قدامى·بديوان وزارة الخارجية·
؟ بدأت مشوارك الدبلوماسي كحامل حقيبة، ماذا يعني ذلك؟
؟؟ حامل الحقيبة يقوم بنقل الرسائل الدبلوماسية المهمة من القاهرة الى البعثات الخارجية عن طريق حقيبة دبلوماسية لا تفارقه، ثم يحضر البرقيات السرية من تلك البعثات الى القاهرة· وكان السبب في وجود تلك المهمة صعوبة الاتصالات ونقل المعلومات·
وفي عام 1967 وقبل حرب يونيو بخمسة أيام فقط سافرت كحامل حقيبة في مهمة الى شرق اوروبا، وكانت الظروف في المنطقة يسودها التوتر والقلق· وعندما اندلعت الحرب ظللت في الخارج أكثر من عشرة أيام لا استطيع العودة للقاهرة بسبب إغلاق المطار وعدت عن طريق الاسكندرية بعد فتح المطار بها·
عزاء رفيع المستوى
؟ المجر كانت محطتك الخارجية الأولى في مشوارك الدبلوماسي 68-،1972 ما هي الانطباعات التي لا تزال في ذاكرتك حول تلك التجربة؟
؟؟ كانت المجر دولة شيوعية في ذلك الوقت وكانت علاقات مصر مع الاتحاد السوفييتي ممتازة· لذا كانت للسفارة المصرية مكانة وتقدير من قبل المجريين· ولمسنا ذلك عندما توفي الرئيس عبدالناصر، فقد أقيم له عزاء على مستوى عال، وحضر رئيس الجمهورية وسكرتير عام الحزب الشيوعي ووزير الخارجية وجميع الوزراء الى جانب اعداد كبيرة من المواطنين مع اهتمام الصحف والتليفزيون المجري، واستمر العزاء اسبوعا كاملا بالسفارة· وعندما وصلت الى بودابست فوجئت بعدم وجود أي لغة سوى المجرية فقط ولا يتحدث بها سوى المجريين -12 مليون نسمة في ذلك الوقت- ولم يكن امامي سوى تعلم اللغة المجرية للتعامل مع المجتمع وبالفعل تعلمتها إلى الحد الذي مكنني من التعامل مع المجريين رغم صعوبة اللغة· وكنا نعمل في ظروف صعبة بسبب وجود رقابة مستمرة علينا وقيود في الاتصالات ولكننا لم نكن نشعر بهذه الرقابة ولا نشتكي منها بسبب العلاقات الطيبة بين البلدين·
كارلوس منعم وخندق كأس العالم
؟ انتقلت الى اميركا اللاتينية حيث عملت في الأرجنتين 74-،1978 ما الذي أضافه لك العمل هناك؟
؟؟ وجدت جالية عربية ضخمة في الارجنتين خاصة من سوريا ولبنان وفلسطين، وبرز منها كارلوس منعم الذي أصبح رئيسا للأرجنتين فيما بعد رغم أنه سجن عند حدوث الانقلاب عام 1976 ثم خرج بعدها وأصبح رئيسا·
وكانت فترة عمل صعبة بسبب المقاطعة العربية لمصر نتيجة لاتفاقات كامب ديفيد· وكانت في الارجنتين سفارات سوريا والعراق والجزائر والمغرب ولبنان ورغم المقاطعة الرسمية فان الاتصالات الشخصية ظلت مستمرة مع أعضاء السفارة السورية ووفد الجامعة العربية ولم تكن هناك أي مظاهرات من قبل الجاليات العربية ضد مصر بسبب كامب ديفيد خاصة ان الارجنتين كانت تؤيد المبادرة المصرية للسلام·
وفي أعقاب زيارة السادات الشهيرة للقدس حضرت عشرات الندوات واللقاءات التي دارت حول الاوضاع في الشرق الاوسط ومستقبل الصراع العربي - الاسرائيلي·
ولا أنسى حضوري مباريات كأس العالم في الارجنتين ومشاهدتي للاستعدادات الضخمة لها والاصرار على الفوز بها، خاصة وان الحكم العسكري كان مصرا على الفوز بكأس العالم وبالفعل فازت الارجنتين عام ·1978
وشاهدت ما قامت به السلطات في الأرجنتين لمنع جمهور كرة القدم من النزول للملاعب· حيث حفرت خندقا كبيرا بعد المدرجات مباشرة واطلقت المياه داخله حتى لا يستطيع الجمهور النزول الى ارض الملعب·
جنيف··· أمن وبرودة
؟ عملت قنصلا لمصر في جنيف '80-'1982 ثم في شيكاغو '92-،'1996 ماذا تقول عن تلك الفترة؟
؟؟ في جنيف كنا نتعامل مع الجالية المصرية اكثر لان العمل القنصلي يتصل برعاية مصالحها· وكانت جالية صغيرة في سويسرا تقترب من الف مصري فقط ولم تكن لها مشاكل· أما في شيكاغو فكان الوضع مختلفا لان عدد الجالية بها وفي الوسط والغرب الاميركي يصل الى 60 الف مصري معظمهم علماء وأساتذة جامعات وأطباء وموظفون في شركات كبرى ورجال اعمال وكنا القنصلية العربية الوحيدة في شيكاغو مما أضاف اعباء كثيرة حيث كنا ممثلين للعرب جميعا· وعندما تم توقيع اتفاق 'أوسلو' تمت دعوتي للحديث في الجامعات والمنتديات الفكرية عن الموقف العربي بعد الاتفاق ومستقبل الصراع وكان معي في نفس الندوات القنصل العام الاسرائيلي ولم تحدث بيننا أي مواجهات فكرية لاننا كنا ندافع عن مبادرة السلام·
وفي شيكاغو وجدت أمانا تاما ولم تكن هناك أي حوادث أو عنف كما يتردد فالسيطرة الأمنية على المدينة محكمة، وكنا نعيش في درجات حرارة تصل الى 30 تحت الصفر·
استقرار 'رواندي'
؟ المحطة الافريقية الوحيدة في مشوارك الدبلوماسي كانت رواندا، وكنت نائبا للسفير '82-،'1984 ما الذي جذبك فيها؟
؟؟ كانت فترة استقرار في رواندا ولم تحدث أي مصادمات بين قبيلتي الهوتو التي كانت مسيطرة 'أغلبية' والتوتسي الاقلية والاكثر تعليما، وكان عدد سكان العاصمة كيجالي ثلاثين الفا بينهم عشرة آلاف خبير اجنبي 'بلجيكي وكندي وفرنسي واميركي' وكانت لغة التعامل هي الفرنسية·
واستقبلنا مجموعة كبيرة من الخبراء المصريين في تخصصات مختلفة وانتشروا في المجتمع الرواندي وكانوا خير ممثل لمصر وبداية لارسال خبراء مصريين الى افريقيا عن طريق الصندوق الفني للتعاون مع افريقيا بوزارة الخارجية المصرية·
إيرلندا: موقف مشرف
؟ عملت نائبا للسفير في ايرلندا '86-،'1990 كيف وجدت الحال هناك؟
؟؟ كنا السفارة العربية الوحيدة في ايرلندا مما اضاف الينا تمثيل العرب بالكامل وكنا نعقد اجتماعا سنويا للسفراء العرب المعتمدين غير المقيمين في ايرلندا·· لمتابعة تطورات الاحداث· وكان لايرلندا موقف مشرف تجاه القضية الفلسطينية ورغم الضغوط الاسرائيلية الشديدة عليها كانت تشترط لفتح سفارة اسرائيلية فتح سفارة فلسطينية في نفس الوقت·
وعاصرت التطور السريع في ايرلندا بعد انضمامها للاتحاد الأوروبي خاصة في مجال التعليم· وكذلك عاصرت الاجتياج العراقي للكويت عام 1990 والرفض الايرلندي لهذا الاجتياج·
وكانت مصر تستورد اكبر كميات لحوم من ايرلندا بسبب بيعها باسعار مخفضة نتيجة الدعم الذي كانت تحصل عليه من الاتحاد الأوروبي·
؟ عدت للعمل بالمجر مرة اخرى كسفير '98-،'2002 كيف تقارن بين التجربتين؟
؟؟ وجدت دولة جديدة تماما شهدت تحولا اقتصاديا وسياسيا ضخما بهدف انضمامها للاتحاد الاوروبي، كما شهدت انتخابات حرة وديمقراطية تماما واقامت علاقات منفتحة مع دول العالم كله، وانخفض عدد سكانها من 12 مليونا الى عشرة ملايين نسمة·
؟ كنت مديرا لادارة السلك الدبلوماسي والقنصلي بالخارجية المصرية وخلال اختبار للدبلوماسيين الجدد لم ينجح أحد، لماذا؟
؟؟ أجريت امتحانا للسلك الدبلوماسي لاختيار درجة سكرتير ثالث وثان وأول· وتقدم 400 وكانت المفاجأة انه لم ينجح أحد بسبب عدم استعدادهم للامتحانات التي تحتاج الى اجادة اللغة العربية والاجنبية معا· وعندما درسنا اوراقهم وجدنا ان المتفوق في اللغة العربية ضعيف في اللغة الاجنبية والعكس صحيح· لذا لم ينجح منهم احد وكانت سابقة بالخارجية المصرية·
نقطة تحول
؟ ما هي نقطة التحول في حياتك؟
؟؟ التحاقي بالسلك الدبلوماسي غير حياتي بالكامل·
؟ ما أحب العواصم الى قلبك؟
؟؟ بودابست·· حيث كانت أول محطة وآخر محطة في مشواري الدبلوماسي· ووجدت شعبا لطيفا وتعلمت لغته بسرعة وسهولة·
؟ ما مقومات اختيار الدبلوماسي للعمل في دولة ما؟
؟؟ يتم الاختيار طبقا لاهتمام بلده بتلك الدولة التي سيتم ارساله اليها ولذلك لابد من تقييم لغته وخبراته السابقة وقدرته على التعامل مع المجتمعات الاخرى·
؟ هل الدبلوماسي صانع قرارات أم منفذ سياسات؟
؟؟ الدبلوماسي منفذ لسياسات الحكومة التي يعمل لديها، أما صناعة القرار فتتم في المستوى الأعلى ومن الممكن ان يستفيد هذا المستوى من المعلومات التي يقدمها الدبلوماسي·
؟ ما الذي يفعله الدبلوماسي اذا تعارضت قناعاته الشخصية مع سياسة بلده؟
؟؟ يستقيل··· لأن الاراء الشخصية ليس لها مكان في العمل الدبلوماسي·