إعداد - عدنان عضيمة:
إذا كان لإنسان أن يستقرىء الاسم الذي سيطلقه المؤرخون في المستقبل البعيد على هذا العصر الذي نعيشه، فلا شك أنهم سيطلقون عليه 'عصر الموبايل'· وبالرغم من أن اقتحامه لميدان الخدمات الاتصالية يعود إلى عشر سنوات تقريباً إلا أن خدماته أصبحت تعد بالمئات· وفي إحدى أحدث هذه الخدمات يمكن للموبايل أن يلعب دور العين التجسسية القادرة على متابعة حركة شخص معين أينما حلّ أو ارتحل· ويعود ابتكار النظام للمرة الأولى إلى عام 2000 حين عمدت شركة كورية جنوبية تدعى 'إس كيه تيليكوم' إلى إطلاق خدمة تدعى 'إعثر على الأصدقاء' find friends تسمح لآخرين بتتبع كل حركاتك خطوة بخطوة بالاستعانة بحزمة شعاعية تنطلق من هاتفك الخليوي· وفي ذلك الوقت بدأ التساؤل يدور عما إذا كان هناك مجرد إنسان واحد في العالم كله يمكنه أن يتقبل مثل هذا النوع من التجسس على حركاته· وأما الآن، بعد خمس سنوات، فلقد تغيرت الكثير من الأشياء بسبب تنامي الاعمال الإرهابية وتكرر الكوارث الطبيعية كالأعاصير والزلازل وبقية أنواع الحوادث الخطيرة وأصبح النظام موضع اهتمام الكثيرين طالما أنه يعد وسيلة للتواصل مع الأحباء والأقرباء والأصحاب تسمح بالاطمئنان عليهم عندما تستدعي الحاجة ذلك· وتقول فتاة كورية تدعى شيم يو سن في تعليقها على هذا الابتكار الغريب: 'لقد اعتدت على الشعور بالقلق عندما يمتنع صديقي عن الرد على الهاتف الخليوي'· وبادرت 'شيم' مؤخراً إلى الاشتراك في هذه الخدمة مقابل 11 سنتاً (حوالي عشر الدولار) لكل مرة تطلب من هاتفها تحديد المكان الذي يوجد فيه· وتمضي في تعليقها على ذلك بالقول: 'والآن أصبح في وسعي التأكد مما إذا كان في عمله أو أنه منشغل بالمشاركة في إحدى الندوات'· و'شيم' ليست إلا واحدة من أربعة ملايين كوري وقعوا مؤخراً عقود الاشتراك في مختلف الخدمات التي تستخدم تكنولوجيا خاصة يمكنها تحديد الموقع الذي يوجد فيه أي مشترك آخر· ويتكلف الاشتراك في إحدى هذه الخدمات 3 دولارات شهرياً فقط، ويمكنها أن ترسل رسائل متقطعة وفق فواصل زمنية يختارها صاحب الاشتراك تحدد موقعه بدقة كاملة ويتم إرسالها إلى أحد أفراد العائلة أو المؤسسة في أثناء السفر· وتتولى خدمة أخرى تبلغ قيمة اشتراكها اليومي 29 دولاراً إرسال رسالة إلى الجهات المعنية كالعائلة أو الزوجة مثلاً عندما لا يكون صاحب الاشتراك في أحد الأماكن التي اعتاد التردد عليها في وقت معين، ويسمح النظام للمراقب الذي يستخدم شاشة هاتفه الخليوي من رؤية ملخص سريع لحركة هذا الشخص خلال الساعات الخمس الماضية· وهناك نحو 20 ألف من الآباء الكوريين الذين يدفعون 10 دولارات شهرياً نظير الاشتراك في نظام للإنذار عبر الموبايل في حالة ما إذا ضل طفلهم الطريق المعتاد الذي يسلكه بين البيت والمدرسة· وتؤكد الرابطة الكورية للمعلومات والاتصالات معدل النمو الذي تشهده مثل هذه الخدمات بنحو 74 بالمئة سنوياً فيما توقعت أن تزيد عوائدها بنحو ثلاثة أمثال بحلول عام 2007 لتبلغ 1,54 مليار دولار ارتفاعاً من 500 مليون دولار فقط العام الماضي·
ويقول الخبراء المنبهرين بسرعة التطور التقني في كوريا الجنوبية، أن المستقبل كثيراً ما يصل إلى هناك مبكراً!· وفي الوقت الذي نجد فيه مثل هذا التطور الكبير وهو يحدث فعلاً في كوريا، فلا بد أن يستغرق ذلك وقتاً طويلاً بالنسبة لدول أخرى حتى يتمكنوا من اكتشاف تكنولوجيا 'التعقب بواسطة الموبايل'· وفي الولايات المتحدة، تقدم شركة اتصالية تدعى 'تين أرايف ألايف' خدمة يتكلف الاشتراك فيها 20 دولاراً شهرياً تسمح للآباء بمتابعة الأماكن التي يتحرك فيها أبناؤهم المراهقين· إلا أن الشركة المذكورة سرعان ما باعت هذه الخدمة لشركة أخرى تدعى 'نيكستيل' ينتظر أن تشرع باستثمارها قريباً·
وبدا وكأن تكنولوجيا 'التعقب بواسطة الموبايل' أصبحت قابلة للانتشار في البلدان الأخرى حيث أثبت المستهلكون انفتاحهم القوي على الفكرة· وفي بريطانيا مثلاً، تقدم شركة 'كارفون ويرهاوس' خدمة تدعى 'ماب أ موبايل' أو 'خريطة على الموبايل'، تبلغ قيمة الاشتراك السنوي فيها 52 دولاراً وتسمح للأبوين بمتابعة أطفالهم عبر الموبايل كيفما تحركوا· وتحتل كوريا الجنوبية الآن موقع المقدمة في مثل هذه الابتكارات على المستوى العالمي· وتستخدم شركة تاكسي تدعى 'هوانج يون' وتشغل 1500 سائق، خدمة تبث فيها طلبات الزبائن عبر الموبايل ليستجيب لها السائق الذي يفتح الجهاز قبل الآخرين· ويقول سائقون أن هذه التكنولوجيا رائعة في مجال حل الكثير من المشاكل التي كانوا يعانون منها·
ومن المنتظر أن تقفز مبيعات الخدمات المرتبطة بنظام التعقب بواسطة الموبايل إلى 248 مليون دولاراً خلال هذا العام ارتفاعاً من 43 مليون دولار العام الماضي بنسبة نمو تقترب من 600 في المائة