بيروت - ميرفت دهّان:
نضال الأشقر ذاكرة حاضرة من الزمن العربي الجميل والفن الراقي الذي مازالت تتأبطه وتدافع عن وجوده وعن بقاء الزمن العربي المشترك، ولربما كانت الأسماء أقداراً وحظوظاً تلازمنا طوال حياتنا، وهي فنانة ومخرجة لبنانية تخرجت من الأكاديمية البريطانية وعادت إلى لبنان في الستينات لتسهم في ولادة الحركة المسرحية العربية واللبنانية ونقلها من خصوصية النخبة إلى شعبية العامة· قامت ببطولة العديد من المسلسلات التي دمغت ذاكرة من رآها منها 'شجرة الدر'، 'زنوبيا ملكة تدمر'، 'المعتمد بن عباد'، 'حرب البسوس' وكان آخرها 'رماد وملح'·
أسست عدة مسارح وكانت مخرجة ومعدة فيها وأولها كان بالاشتراك مع روجيه عسّاف 'محترف بيروت للمسرح' ثم أسست في عمان فرقة 'الممثلون العرب' وفي 1994 أسست مسرح المدينة الذي شهد حركة مسرحية وفنية عربية كبيرة وأخرجت وأعدت مسرحيات منها 'طقوس الاشارات والتحولات' و'3 نسوان طوال' و'منمنمات تاريخية' لسعد الله ونوس· وفي 2005 وبعد مضي عام على إقفال مسرح المدينة افتتحت مسرحاً تحت اسم 'مركز مسرح المدينة للثقافة والفنون'·
دنيا الاتحاد حاورتها وهذا نص الحوار:
من الاشتراك في تأسيس' محترف بيروت للمسرح' إلى تأسيس فرقة 'الممثلون العرب' انطلاقاً من عمان وصولاً إلى تأسيس مسرح المدينة في 1994 إلى 'مركز مسرح المدينة للثقافة والفنون' في ،2005 ما الفرق بين مسرح المدينة السابق والحالي؟ وإلى أي مدى أسهمت في تحريك الحركة المسرحية على الساحتين اللبنانية والعربية؟
؟؟ عندما أغلق مسرح المدينة في 2004 أسست جمعية أهلية لا تتوخى الربح وجمعنا نقوداً من كل العالم العربي ومن لبنان وافتتحنا 'مركز ثقافة' في شارع الحمراء، وهو يتضمن مسرحاً كبيراً يستوعب 450 شخصاً ومسرحاً صغيراً للتجريب يستوعب 120 شخصاً وصالة عرض للرسوم وهي كبيرة وجميلة وصالة نهى الراضي الفنانة العراقية المشهورة وهي خزفية وكاتبة ورسامة توفاها الله في لبنان، ولدينا صالة كبيرة لإعداد الممثل سميناها صالة جون ليتل وود المخرجة البريطانية التي كان لها تأثير كبير عليّ فقد عملت معها في الأكاديمية الملكية البريطانية التي تخرجت منها، كمخرجة وهي امرأة رائعة وتوفيت منذ سنتين، وهناك صالة أخرى للتمارين سميتها باسم الراحل سعد الله ونوس· وكل هذا المركز الثقافي جديد افتتحناه في عيد المسرح العالمي في 27 مارس 2005 ونحن نتابع مسيرتنا بشكل جميل، ولا وجه للشبه بين مسرح المدينة القديم والمسرح الجديد الذي يدعى 'مركز مسرح المدينة للثقافة والفنون'·
وأما عن دوري في الحركة المسرحية فأنا لا أعلم ماذا فعلت·· الجمهور هو من يحكم، لكن لا شك أن التراكمية في الحالة الثقافية رغم الحروب في لبنان ورغم كل شيء، أثرت في مدينة بيروت· فمحترف بيروت للمسرح وتألق الحركة المسرحية والمسلسلات العربية التي قمت بتمثيلها في كل العالم العربي إلى جانب المحاضرات والندوات كل هذه التراكمية والظهور على التلفزيون كنضال الأشقر وكممثلة أجسد دورا من الأدوار 'شجرة الدر، ملكة تدمر، صبح والمنصور، نساء عاشقات، تمارا' والعشرات من المسلسلات هي بلاشك دمغت ذاكرة الناس الذين شاهدوها لأننا كنا نحرص دائماً على أن تكون أعمالنا متقنة، والعمل المتقن لا يمحى من الذاكرة لدرجة أن أعمالنا الفنية التي قمنا بها من منتصف الستينات، عندما أتيت إلى لبنان، وإلى منتصف الـ75 عندما بدأت الحرب اللبنانية كل ذلك من مسرح وأفلام ومسلسلات صنع حيزا من الذاكرة اللبنانية· وكذلك عندما ذهبت إلى عمان وأسست أول وآخر فرقة عربية جوالة في كل الوطن العربي وصولاً إلى لندن إلى البرت هول هذا المكان الذي كان يتسع لستة آلاف شخص وهو مدرج للموسيقى العالمية وللأوبرا أخذناه لأول مرة ولآخر مرة لعرض مسرحية عربية عليه·
جربنا··· فليجربوا
؟ هل من أمل في حركة مسرحية عربية جديدة؟
؟؟ يجوز فليجربوا، نحن جربنا ولكن نحن الآن في زمن آخر أصبح فيه كل شيء أصعب بكثير، ونحن بعد 'الممثلون العرب' ومعها ومع الجولات العربية المسرحية والمسلسلات، وصلنا إلى تكريس اسم لنا في العالم العربي له طابع خاص وصولاً إلى تأسيس مسرح المدينة في 1994 الذي حرّك عجلة الحركة الثقافية في لبنان إلى 2004 وكان مسرحاً لا يكل ولا يمل، من عرض المسرحيات وقمت بإخراج مسرحيات جديدة غير مسرحيات 'محترف بيروت للمسرح' وكانت رؤية جديدة للمسرح بأعمالي الخاصة· وهناك مسرح عربي أتى من كل أنحاء العالم العربي، من تونس ومن العراق ومن سوريا والجزائر والكويت، صنعنا حركة عربية وحركة عالمية وحركة لبنانية في مسرح المدينة وحاولنا أن نعيد إلى ذاكرة الشباب الجدد صورة المسرح الجميل والجيد والشيق الذي يخلو من السخافة والإسفاف ولكنه مشوق ومسل في الوقت ذاته· والناس يسمون المسرح الجيد والمشوق بالمسرح الجاد والحقيقة أنه مسرح جيد ومسل جداً ولكنه بالإضافة إلى هذا يطبع الذاكرة الجديدة· وأعتبر 'مركز مسرح المدينة للثقافة والفنون' الجديد مركزا لتطوير أحلامي، ان مدينة بيروت يكون لديها فسحة كبيرة حرة للتعبير الحر للسينما والمسرح والعرض وكل شيء وان يستطيع الشباب الذهاب إليه كمكان شيق يستطيعون فيه حضور نشاطات مختلفة في الليلة ذاتها·
؟ بين الاخراج والتمثيل والغناء والموسيقى والقراءات الشعرية التي نعترف أنها أعادت لنا صيغة تلقي المقطوعات التي تختارينها، تعدد المواهب هي حالات قليلة في الوسط الثقافي والفني، هل تعتبرينها من مستلزمات الفنان؟
؟؟ يستطيع الفنان أن يكون مميزا كممثل فقط وكمخرج فقط وكل فنان يعمل بما يحب، أما أنا فلدي ميول أن أجرب أشياء جديدة فلا يوجد فنان يصل إلى الكمال إنما عليه أن يطلب المزيد من التجربة والتجربة توصل الفنون إلى شواطئ جديدة وإلى آفاق واسعة فلا أحد يصل في الفن وليس هناك فنان قام بعمل وانتهى بالعكس الجمال في الفن هو التجربة الدائمة ودائماً نبقى مبتدئين وكل عمل يحمل بطبيعته كل هذه الخبرات وكأنك بدأت الآن، لذلك أحب دائماً ان أجرب وفي الحقيقة أنا ممثلة ومخرجة وأحب الشعر والرسم وكلها عالم واحد وهي عوالم مثقفة تكمل بعضها وهي موجودة لأن وجودها يصنع تميزا في المجتمع وفي الانسان ويجعل الإنسان يتفتح على اللغة وعلى الجماليات وعلى المسرح وعلى الموسيقى وهي التي تجعل الإنسان يصبح إنساناً أفضل وهذا الذي سعينا إليه خاصة الآن ليس في لبنان فقط إنما في العالم العربي، أكثر ما يؤثر في النفس الإنسانية هي الفنون والآداب وهذا مهم في عالمنا· فلا نجد فنانا متعصبا أو طائفيا لأن الفنان منفتح على الآخر ويعمل على التعبير الحر وهو في حد ذاته مهنته منفتحة على الناس من كل الألوان والأشكال وعلى مجتمع مدني لذلك فإنني أهتم بالفنون ليس لأنني فنانة فحسب إنما لأن الفنون تفعل في المجتمع وتغير الإنسان إلى إنسان أفضل لكن هذا يستلزم عملا على مدى طويل ويحتاج إلى العشرات من المسارح ومئات من الناس الذين يعملون في هذا المضمار حتى يصبح الفن في متناول الجميع والفن لا يجب أن يكون خاصا بفئة معينة من المجتمع إنما يجب أن يكون للناس وليس للنخبة إنما لكل الناس· والمسرحية الجيدة هي التي تستطيع أن تتفاعل معها الناس من كل الفئات الاجتماعية سواء المتعلم أو الأكثر علماً أو الأقل علماً هذا المسرح الجيد والشيق الذي أحببت أن أصنعه وصنعته·
؟ المسرح العربي هو تكرار للمسرح التجريبي الغربي، هل صنع المسرح العربي هوية خاصة به؟
؟؟ كانت لدينا أشكال من المسرح، وكان من الممكن أن يصنع المسرح هوية له لو سمح له· من أين تصلنا الفنون، ليس مهماً لأن الحضارات تنقل من بلاد ما بين النهرين إلى الفراعنة ومن عند الفراعنة تذهب إلى أميركا اللاتينية ثم تعود وتأتي، هذه الأساطير والقصص القديمة هي الحضارة الإنسانية الكبيرة لم يكن لدينا مسرح بالشكل الأوروبي لكن كان لدينا الحكواتي وخيال الظل والمنشدون والمغنون والجاحظ والمعلقات ومن أدبنا العربي الكبير نستطيع أن نستنبط الكثير ويوجد كثير من المخرجين الذين استنبطوا مسرحا كبيرا· الشكل من أين أتى؟ غير مهم، إنما المهم أن نستعمله بشكل جيد لصالح شعوبنا، كالاقتباس وإذا سئلنا لماذا نقتبس؟ ولمَ لا إنه أدب عالمي وكل المخرجين العرب أخذوا الشكل من الغرب سعد الله ونوس ومسرحية الفرافير في مصر، لكن المضمون مضموننا نحن عندما نقتبس نصنع الشيء نفسه نأخذ موليير نعربه يجوز أن يكون هو نفسه لكن المهم أن يجيب عن أسئلة في مجتمعاتنا ويجيب على المشاكل الانسانية التي هي نفسها الحقد والحب والخيانة والحب هو نفسه في لبنان أو في فرنسا أو في مكسيكو كله حب ونحن تتغير مشكلاتنا الاجتماعية في العالم العربي ونستطيع أن نقتبس عن موليير وصوفوكليس وشكسبير ونستطيع أن نكتب نحن والمهم أننا نتحاور مع جمهورنا ونتوصل إلى أن يأتي الجمهور ليرى أن هذا المسرح يحمل في طياته مشكلات نفسية وإنسانية واجتماعية وسياسية من أين نأتي بالشيء، غير مهم، لكن المهم أن نقول اننا نقتبس إن اقتبسنا ويوجد أشخاص يقتبسون ولا يذكرون من أين اقتبسوا عملهم·
؟ عانى مسرح المدينة في مكانه الاسبق من ضغوط مادية وتم إقفاله لتغيير مكانه تصاحب ذلك مع إقفال ثلاثة مسارح أخرى لنفس الأسباب، هل تجاوز مسرح المدينة هذه الصعوبات وهل نطمئن أن عمره طويل؟
؟؟ الحقيقة أنه كان لدينا الكثير من المشاكل المادية لكن استمررنا لعشر سنوات وكان لدينا عقد مع أصحاب المسرح القديم لعشر سنوات لم يستطيعوا تجديده لنا وإن شاء الله في المركز الجديد الا يحصل هذا الشيء معنا وعقدنا معهم أيضاً لعشر سنوات·
السينما والمسرح
؟ تشهد السينما إقبالاً جيداً يطغى على المسرح، إلى جانب إقبال الناس على المطاعم والمقاهي وبرامج التلفزيون 'الواقعي' أو 'ستار أكاديمي' أو 'الوادي' حديثاً، هل بات المسرح فائضاً عن لوازم العيش في بيروت؟
؟؟ المسرح مختلف عن السينما والمقهى، وأنا أرى أن الناس لديهم حاجة ماسة للحضور وما يفرحني أن مئات من الشباب الجامعيين يأتون إلى المسرح، وفي كل الجامعات يوجد نوعية من الناس تحتفل بالمسرح والذين كانوا يعرفوننا قبل الحرب أصبحوا الآن يرسلون أولادهم فلدينا جمهور ما بعد الحرب لكنهم جميعاً كانوا يأتون قبل الحرب ولو كانت حالة لبنان جيدة لكانت الأمور أفضل بكثير ولو ساعدتنا وزارة الثقافة أكثر من ذلك لكنا في وضع أحسن· وأنا أعتقد أن موازنة الدولة الأكبر يجب أن تكون لوزارة الثقافة ووزارة التعليم هاتين الوزارتين اللتين تغيران عقلية الناس وليس السياسة لأننا نرى السياسيين أمامنا هم ذاتهم من أربعين سنة يغيرون بزتهم ويمشون والذي يتغير هو أن نقدم للناس الأفضل حتى تتغير الذهنية والثقافة والناس يستطيعون استيعاب ما يحصل لهم في بلادهم·