منذ تجميع “آي فون” وخرائط “جوجل” معاً عام 2007 بدا الاثنان كما لو كانت تجمعهما زمالة رقمية حميمة نموذجية. وساعدت خدمة خرائط “جوجل” الفارقة التي تتيح لمستخدمي الشبكة العنكبوتية البحث عن الشركات ومعرفة أحوال المرور واتجاهات التحرك، ساعدت “آي فون” (آبل) على أن تحقق نجاحاً واسع النطاق. وبالتالي عمل انتشار استخدام “آي فون” على دفع أحجام هائلة من حركة معلومات الشبكة العنكبوتية إلى محرك بحث “جوجل” عبر خرائط “جوجل”. غير أن الأمر لم يعد كذلك. إذ توشك تقنية خرائط المحمول أن تصبح أحدث المعارك في حرب العملاقين المتصاعدة على من هو الذي سيهيمن على مستقبل الحوسبة.
خطط «آبل» لإقصاء «جوجل»
وتعكف “آبل” مؤخراً على التخطيط لإقصاء خرائط جوجل بصفتها تطبيق الخرائط الافتراضي المحمل مسبقاً من “آي فون” و”آي باد” ولإطلاق تطبيق خرائط جديد يعمل على تقنية “آبل” ذاتها حسب إفادات موظفين حاليين وسابقين في “آبل”. ومن المنتظر أن تقوم “آبل” بتطوير البرمجية الجديدة التي ستكون ضمن نظام تشغيل هاتفها الذكي الجديد. وتعتزم “آبل” تشجيع مطوري التطبيقات على غرس خرائطها داخل تطبيقاتها مثل خدمات شبكات التواصل الاجتماعي والبحث. كما تعتزم “آبل” إطلاق تطبيق خرائطها في نظام تشغيلها الجديد. وتعكف “آبل” لسنوات على تدبير خطة إقصاء خرائط “جوجل” من “آي فون” لسنوات. وتسارعت الخطة حين تفوقت الهواتف الذكية المزودة ببرمجية اندرويد (جوجل) على آي فون من حيث التوريدات.
واستحوذت “آبل” في هدوء على ثلاث شركات للخرائط ومزجت تقنيتها مع تقنيات تلك الشركات. وخلال الخريف الماضي، قطعت “آبل” أول خطوة نحو تطوير خدمة خرائط باسمها من خلال إطلاقها أداة ترميز جغرافي (تعتبر العقل المدبر لتطبيق خرائط يحول إحداثيات الهاتف الطولية والعرضية إلى نقطة على خارطة مثل عنوان). وكانت قبل ذلك تعتمد على أداة ترميز “جوجل” الجغرافي.
ويقدر ما تشكله إعلانات المحمول المصاحبة للخرائط أو الأماكن بنحو 25% من قرابة مبلغ 2,5 مليار دولار أنفق على إعلانات المحمول في عام 2012 بزيادة 10% على 2010 وهو ما يتوقع أن يزيد مع زيادة عدد تطبيقات رصد الأماكن. وفضلاً عن إيرادات الإعلانات، تنخرط “آبل” في سوق الخرائط لكي تزيد تحكمها في عنصر رئيسي من عناصر “حرب” الهواتف الذكية، إذ إن خرائط “جوجل” يستخدمها أكثر من 90% من مستخدمي “آي فون” بالولايات المتحدة. ولذلك ترى “آبل” أن التحكم في استخدام الخرائط وتقديم مزايا لا تقدمها “جوجل” يمكن أن يساعدها على بيع مزيد من الأجهزة ويشجع المطورين على إصدار تطبيقات ينفرد بها مستخدمو “آي فون”.
وفي الأجل القصير من المنتظر أن تفقد “جوجل” بعضاً من إيرادات الإعلانات وتفقد أيضاً بيانات عما يبحث عنه المعنيون بالأعمال المحليون، وهي التي تستخدمها في تشجيع تجار التجزئة على شراء إعلانات معينة. وفي الأجل الطويل يرجح أن تقلص قدرة “جوجل” على تحقيق إيرادات متعلقة بالخرائط.
معركة مستخدمي «آي فون»
ويتجاوز هجوم “آبل” على “جوجل” مسألة الخرائط. ويبدو أن الطريقة التي ستدور بها “الحرب” هي التي سترسم الصورة التي يستخدم الناس في إطارها التكنولوجيا لسنوات مقبلة. وذكر راجيف تشاند، أحد مديري بنك رتبرج الاستثماري، أن “آبل” تهاجم “جوجل” في عدة جبهات منها الخرائط وبحث الشبكة. وقال: “تدور معركة بين (جوجل) و(آبل) على البيانات والأجهزة والخدمات ومستقبل الحوسبة وهي اليوم معركة تاريخية بكل المقاييس”. كانت “آبل” و”جوجل” لسنوات نموذجاً للتعاون، وكانت كل واحدة منهما متمسكة إلى حد كبير بعالمها المستقل. إذ كانت “آبل” تصنع أجهزة الكمبيوتر وغيرها من الأجهزة بينما كانت “جوجل” تقدم بحث الشبكة وتبيع إعلانات على الانترنت. وكان لرئيس “آبل” ستيف جوبز علاقة وثيقة برئيس “جوجل” ايريك شميت، الذي كان أحد أعضاء مجلس إدارة “آبل” من 2006 إلى 2009. ومع ظهور “آي فون” والهواتف الذكية، أدرك جوبز مغزى تدخل “جوجل” في أجهزة المحمول بنظام تشغيل “اندرويد” الذي ابتكرته. ومنذ ذاك دخلت “جوجل” نشاط الأجهزة مباشرة بشرائها “موتورولا” صانعة الهواتف. كما أطلقت “جوجل” مؤخراً متجراً موسيقياً وتطبيقات محمول لتنافس به “آي تيونز” (آبل). والآن نجد أن توريدات هواتف آندرويد” قد تجاوزت توريدات “آي فون” عالمياً.
وشنت “آبل” هجوماً مضاداً حيث تعدت على مجال إعلانات “جوجل” بأن قررت بيع إعلانات المحمول. وكشفت العام الماضي عن سلاحها الجديد ضد نشاط بحث “جوجل” المسمى “سيري”، وهو عبارة عن “مساعد افتراضي” يعمل بالصوت يكفل للمستخدم طريقة جديدة للبحث عن معلومات من “آي فون”. وقال عدد من تنفيذي “جوجل” إنهم يعتقدون أن “آبل” تسعى إلى إقصاء مستخدمي “آي فون” عن استخدام بحث الشبكة التقليدي على هواتفها. ويعتقد بعض محللي صناعة المحمول أن استخدام بحث “جوجل” على “آي فون” هو الذي يحقق معظم إيرادات إعلانات بحث المحمول لـ”جوجل”. غير أن “جوجل” سرعت من خططها لتطوير “مساعد خاص بها للبحث الذي يعمل بالصوت لأجهزة محمول “أندرويد” ينتظر أن تطلقه في وقت لاحق من هذا العام. كما تهدف “آبل” إلى تطوير تكنولوجيا متكاملة تضم الخرائط مع برمجياتها الأخرى.
خلفيات «الحرب»
في بادئ الأمر وطّد، “آي فون” الارتباط بين الشركتين. ففي أحد المناسبات عام 2006 قبل الإعلان عن “آي فون” ببضعة أشهر، التقى رئيس تسويق منتجات “آبل” نيل شيلر وتنفيذيون آخرون مع مهندسي “جوجل” لتحديد الطريقة التي يمكن لـ”آي فون” أن يستخدم بها بيانات خرائط “جوجل” ليتيح للمستخدمين أن يشاهدوا أماكنهم والحصول على اتجاهات تحركاتهم. ثم عقدت الشركتان اتفاقية مقاصة متبادلة تمثلت في أنه حين يفتح مستخدم “آي فون” تطبيق الخرائط ترسل “آبل” إلى جوجل معلومات عن موقع هذا الهاتف. ثم تعيد جوجل صور خرائط وبيانات أخرى. يذكر أن تصريحاً صحفياً أصدره “آي فون” أثنى على خدمة خرائط “جوجل” مدح أداءها المتميز.
ثم حين أطلقت “جوجل” (أندرويد)، نظام تشغيل الهواتف الذكية المنافس، بدأت الأمور تتغير. ففي 2008، قام جوبز بإنذار مؤسسي “جوجل” لاري بيج وسيرجي برين بأنهما إذا ظلا يستخدمان “أندرويد” فإن “آبل” ستلجأ للقضاء وتدعي أن أندرويد نسخ “آي فون”. غير أن “جوجل” مضت قدماً في طريقها الأمر الذي دعا “آبل” إلى رفع دعاوى قضائية على عدد من مصنعي أجهزة “أندرويد”. ولا تزال تنظر تلك الدعاوى أمام المحاكم. وما كان من الخرائط إلا زيادة الضغينة بين الشركتين. في تلك السنة ذاتها جلس تنفيذيو “آبل”، بمن فيهم شيلر، مع مديري “جوجل”، ومعهم فيك جوندوترا الذي كان آنذاك نائب الرئيس المسؤول عن تطبيق “جوجل” للمحمول، من أجل تجديد الاتفاقية الخاصة بتطبيق خرائط “آي فون”. ونشأت توترات جديدة حين زاد قلق “آبل” من قيام “جوجل” بكل شراسة بتجميع بيانات من التطبيق، وأبدى شيلر قلقاً من ذلك، حيث قال إنه قد يخل بخصوصية المستخدمين.
واستشعر تنفيذيو “جوجل” أن “آبل” لم تكن منطقية بإصرارها على التحكم في شكل تطبيق الخرائط وعدم تفعيل سوى بعض خصائصه مثل “قائمة طعام حسب الطلب” بينما لم تقدم “جوجل” سوى التقنية التي تشغله. واختلف الطرفان على إحدى خواص خرائط “جوجل” تسمى مشهد الشارع تتيح للمستخدم أن يرى صورة واقعية كما لو كان واقفاً في الشارع. وأرادت آبل ضم مشهد الشارع في آي فون بنفس الطريقة التي قدمته جوجل لهواتف “أندرويد”. وسحبت “جوجل”، في بادئ الأمر، تلك الخاصية على نحو أحبط تنفيذيي “آبل”. كما أراد مديرو “آبل” ضم خدمة “جوجل” للملاحة التفصيلية إلى “آي فون” وهي خاصية شائعة لدى مستخدمي “أندرويد” لأنها تسمح للمستخدم باستخدام هاتفه كجهاز “جي بي اس” (نظام رصد الأماكن بالقمر الصناعي) في السيارة. ولم تسمح “جوجل” بذلك، وقال محللون إن “جوجل” اعتبرت شروط “آبل” مجحفة.
وتوترت العلاقات بين شيلر وجوندوترا، وفي نهاية المطاف بدأ جيف هوبر نائب رئيس جوجل للهندسة آنذاك، يجري محادثات مع “آبل” حين انتقل جوندوترا إلى مشروع جديد في “جوجل”. وفي عام 2009 أسر شميت لزملائه بقلقه بشأن الخلافات بين الطرفين، وقرر جوبز آنذاك أن خدمات رصد الأماكن أهم لـ”آبل” من الاعتماد على شريك أضحى منافساً شديداً.
ولذلك بدأ جوبر البحث خارج “آبل” عن مواهب لتصميم تكنولوجيا خرائط خاصة بالشركة. وخلال 2009، اشترت “آبل” شركة صغيرة في لوس انجلوس اسمها “بلاسبيز” كانت تسعى لتصميم خدمة تشابه خرائط “جوجل” وحين وصل فريق “بلاسبيز” إلى إدارة “آبل” في كوبرتينو قاموا بتشكيل فريق جغرافي جديد للشركة.
وفي أغسطس 2009 ترك شميت مجلس إدارة آبل فيما ذكر جوبز تصاعد التنافس. وزادت العلاقة تدهوراً حين قررت آبل دخول مجال بيع إعلانات المحمول المربحة، وهو مجال حتى آنذاك كانت جوجل وبعض شركات محمول أخرى مهيمنة عليه. وحاول جوبز التقرب من خدمة إعلانات المحمول ادموب ولكن جوجل اقتنصتها مقابل 750 مليون دولار في نوفمبر 2009.
وفي يناير 2010 اشترت آبل شركة إعلانات محمول منافسة اسمها كواترو وايرلس. وجعل العراك جوبز أكثر حرصاً على قطع العلاقات. وبعيد الاستحواذ أخبر موظفي آبل بأن سلوك جوجل يشير إلى أن شعارها “لا تكن شريراً” مجرد هراء. وفهم أن التعليق منطو على أن “جوجل” خانت علاقتها مع “آبل” بدخول مجالها.
وحين اشترت “آبل” خلال 2010 “بولي 9”، صانعة خرائط ثلاثية الأبعاد قابلة للتقريب، كان ذلك بمثابة إنذار لـ”جوجل” التي اعتبرته دليلاً على أن آبل كانت جادة في بناء خدمة خاصة بها. وكانت “بولي 9”، الشركة الصغيرة المتمركزة في كيبك، قد صممت تكنولوجيا شبيهة بخدمة خرائط “جوجل” بالأقمار الصناعية “جوجل إيرث” تتيح للمستخدمين التجوال حول عالم ثلاثي الأبعاد.
هذا في الوقت الذي انشغل فيه فريق آبل الجغرافي بخصائص قد تكون قادرة على التفوق على جوجل. وكانت آبل تحافظ على سرية التفاصيل حتى داخل الشركة.
وكان على آبل فعل الكثير حيث راح موظفوها يصممون تطبيقات خرائط لإقصاء جوجل من آي فون. وبدأ العمل على تطبيق ملاحي يشبه جهاز “جي بي اس” السيارة.
كما بدأت آبل الحصول على تراخيص بيانات عن أحوال مرور الطرق وشركات محلية من كافة أنحاء العالم، واحتاجت “آبل” لمزيد من البيانات لخطوة شديدة الأهمية وهي بناء أداة ترميز جغرافي جديد، وهي عبارة عن الرمز الذي يحول الإحداثيات الطولية والعرضية إلى عناوين فعلية.
وخلال الخريف الماضي، أطلقت “آبل”، في صمت، أداة ترميزها الجغرافي في أحدث برمجية “آي فون”. ومنذ إطلاق “آبل” أداة ترميزها الجغرافي كلما فتح مستخدمو “آي فون” تطبيق خرائطها فإن تقنية آبل هي التي تترجم أماكنهم وليس “جوجل”. كذلك في مقدور مطوري البرمجيات استخدام نسخة من تقنية “آبل” المسماة “سي ال جيوكودر” في بناء تطبيقات تتيح للمستخدمين أن يخبروا أصدقاءهم في الحي السكاني الذي هم فيه أو أن يبحثوا عن مطاعم قريبة. ولا تتراشق الشركتان الآن علناً ولكن المنافسة تحتدم بينهما.
وأخبر أعضاء من فريق خرائط جوجل مؤخراً زملاءهم أنهم قلقون من أن تقوم “آبل” باستبدال برنامجهم، بالنظر إلى أن نحو نصف عدد المستخدمين الذين يدخلون على خرائط “جوجل” يمتلكون أجهزة “آبل”. وعزاء فريق خرائط “جوجل” أن أجهزة “أندرويد” في نمو مستمر. وإدراكاً بأن “آبل” قد تكشف عن برمجية خرائطها الجديدة قريباً، تستعد “جوجل” للكشف عن “البعد القادم لخرائط (جوجل)”.
نقلاً عن: «وول ستريت جورنال»
ترجمة: عماد الدين زكي