الأربعاء 20 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
علوم الدار

تجميد البويضات.. العرض سارٍ حتى نفاد الكمية!

تجميد البويضات.. العرض سارٍ حتى نفاد الكمية!
26 ديسمبر 2019 00:58

ليلى خليفة (أبوظبي)

الإمارات دولة فتية كرست نفسها على الساحة الدولية، وخططت لمستقبل مشرق، وهي مدركة تماماً للقضايا الداخلية التي تواجهها، ومن بينها التركيبة السكانية. ولأن مسألة تعداد المواطنين وثيقة الصلة بمعدل خصوبة المرأة الإماراتية، الذي حددته إحصاءات السياسة الوطنية للأسرة المنشورة على موقع وزارة تنمية المجتمع الإلكتروني، بنحو 2,3 طفل لكل امرأة، تتعاظم أهمية التقنيات الحديثة التي تحفظ الخصوبة وعلى رأسها «تجميد البويضات»، الذي يشهد ازدهاراً حول العالم.
هذا التحقيق يرصد لماذا يمكن اعتبار تجميد البويضات مخرجاً آمناً لمعيقات الإنجاب في سن الخصوبة محلياً، وفي الوقت ذاته يشدد على ضرورة أن يترافق نمو استخدامه مع توعية المرأة بجوانبه الصحية، وتعزيز القوانين الناظمة له، واستمرار الدراسات بشأنه لمنع السقوط في وهم «استدامة الإنجاب»، ولا سيما أن مشروع قانون «المساعدة الطبية على الإنجاب»، الذي أقره المجلس الوطني الاتحادي في أبريل الماضي، يؤسس لمرحلة جديدة من علاج الخصوبة.

بعد ثلاثة إجهاضات، اكتشفت البريطانية كلير نورث أن «ورماً» يعوق استمرار حملها. «كان خبراً مرعباً، أدخلها في نوبة بكاء هستيري»، تستذكر كلير تلك المرحلة بألم. الصدمة كانت مزدوجة، بعد أن أبلغها طبيبها أن العلاج الكيميائي سيكلفها خصوبتها. لكن قبل أن تنهار تماماً، طمأنها بأن «تجميد البويضات» سيحافظ على فرصها في الإنجاب. تقول كلير، المقيمة في دبي «كُنت كالمعلّقة في الهواء، أقنعني زوجي بتجميد بويضاتي قبل الخضوع للعلاج، فقد كنت حينها (2015) في الثلاثين، وهي سن اعتبرها طبيبي مناسبة للإجراء».
وتجسد كلير الحال المثالية للتفكير بتجميد البويضات، وهو وفق استشارية النسائية والتوليد في المركز الأوروبي الكندي في أبوظبي الدكتورة نوال الخالدي، عملية مخبرية تحتفظ بجودة البويضة لسنوات، ما يصون إمكانية حمل «المودعة» مستقبلًا؛ إذ تسترجع بويضتها المجمدة بالإذابة، ثم تلقّح بحيوان منوي من الزوج في المختبر، قبل زراعتها في رحمها عبر «الحقن المجهري».
ندى «اسم مستعار» قرّرت هي الأخرى الاستفادة من هذا الفتح الطبي. تقول: «كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحاً، وبينما كنت ألقي نظرة على مظهري قبل الخروج إلى العمل، استوقفني شيء يلمع بين خصلات شعري، مددت يدي لتفحصه، فعثرت على خصلة رمادية عريضة تختبئ تحت مفرقه الأيمن». وكان ذلك جرس إنذار جعلها تدرك أنها في السادسة والثلاثين ولم تتزوج بعد! ضربة جديدة تلقتها حين علمت أن الأنثى تولد باحتياطي محدّد من البويضات تتراجع جودته وكميته مع تقدم العمر. تفاقم المأزق بعد أن عرفت أن نساء في عائلتها عانين انقطاع طمث مبكر. دنو أجلها الإنجابي أرعبها. صحيح أن بضع إبر هنا وهناك سيجعلها تبدو في السادسة والعشرين - أو على الأقل هذا ما تعد به إعلانات عيادات التجميل- إلا أن لأعضائها الداخلية شأناً آخر. ولأنها فتاة «عصرية»، قررت أن تشتبك مع واقعها. تقول ندى - الموظفة في شركة عقارية: «أعيش في الألفية الثالثة، وأنا واثقة من أنني سأجد حلاً». وبعد بحث سريع على «غوغل»، ضربت موعداً في عيادة إخصاب في أبوظبي. هناك شرح لها الطبيب مسألة تجميد البويضات، وأجرى لها فحوصات، ثم أخبرها أن عليها الانتظار لحين أخذ موافقة وزارة الصحة؛ فصحيح أن المشرع الإماراتي سمح بتجميد البويضات للمتزوجة ضمن ضوابط، إلا أنه ترك الباب موارباً أمام العزباء ما يتطلب شرحاً وافياً لظرف الفتاة التي تريد «ادخار بويضاتها»، لإبداء الرأي في كل حال على حدة. علماً أن «استخراج البويضات من الفتاة غير المتزوجة لا يمس عذريتها، لأنه يتم عن طريق البطن غالبا»، وفقاً لاستشاري طب وجراحة الإخصاب الدكتور سالم الشواربي.

استشارة الطبيب ضرورية قبل اتخاذ قرار التجميد (تصوير عمران شاهد)

عالم يتبلور
وبين قصتي كلير وندى يتبلور عالم تجميد البويضات بحديه الطبي والاجتماعي، بكل ما فيه من تعقيدات وآمال تحكمها قوانين أصدرها عدد قليل من دول المنطقة تتقدمها الإمارات التي أقرت مؤخراً مشروع قانون جديد ينظم عمل مراكز الإخصاب المسؤولة عن هذا الإجراء، بعد 11 عاماً من صدور قانونها الاتحادي الأول «رقم 11 لسنة 2008» في المجال نفسه، ما يجعلها رائدة في تحديث قوانيها المتعلقة بعلاج الخصوبة في المنطقة العربية، ولم يتوقف الأمر هنا فالتشريع الجديد - المكون من 35 مادة- ينص على تشكيل «لجنة استشارية وطنية» مهمتها تقديم التوصيات والمقترحات في ظل التطورات المتسارعة في هذا القطاع، بالتشاور بين مختلف الجهات الصحية في الدولة، مع مراعاة خصوصية المجتمع الثقافية والأخلاقية والدينية، وصولاً إلى حماية المستفيدين من أي ممارسات غير القانونية.
وكانت إجازة حفظ البويضات غير الملقحة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لمدد مماثلة بناء على طلب كتابي من ذوي الشأن، من أبرز بنود القانون الجديد، الذي «لا يزال في مجلس الوزراء، وقيد النشر والصدور في الجريدة الرسمية»، وفق بريد إلكتروني رد به قسم الإعلام في إدارة الاتصال الحكومي على سؤال «الاتحاد» بشأن موعد دخوله حيز التنفيذ.

نمو متصاعد
والإجراء الذي ظهر في الثمانينيات ظل محدود الاستخدام بسبب تقنية «التجميد البطيء» التي كانت تتسبب بتشكل بلورات تتلف البويضات، غير أن طريقة التجميد السريع «التزجيج» حافظت على سلامة البويضة بعد الإذابة، وغيّرت وجه علم الإخصاب، حتى أن الجمعية الأميركية لطب الإنجاب (ASRM) رفعت في عام 2012 «تحفظاتها» على تعميم استخدام تجميد البويضات بعد أن كانت تعتبره «تجريبيا»، ما مهد الطريق لجعله خياراً متاحاً أمام نساء «مهددات إنجابياً» في 100 دولة عضواً في الجمعية من بينها الإمارات.
ورغم غياب إحصاءات دقيقة حول حجم مخزون البويضات في الدولة، فإن عاملين في مجال الإخصاب يؤكدون أن الإجراء يشهد صعوداً متنامياً. ويقول الشواربي لـ«الاتحاد» إنه في مركز «فقيه»، الذي يشغل منصب مديره الطبي في أبوظبي، «عشرات النسوة يجرين شهرياً عملية سحب بويضات بغية تجميدها». ويشير التقرير الإحصائي السنوي لمدينة دبي المنشور على موقع هيئة الصحة في دبي أنه تم إجراء 413 عملية جمع بويضات في 2018، أي ما نسبته 37% من مجموع العلاجات المقدمة في مركز أمراض النساء والإخصاب، أول مركز تأسس في الدولة (في العام 1991) لمساعدة الأزواج على الإنجاب.وكان المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص الدكتور أمين الأميري قال لـ«الاتحاد» في العام 2010، إن وزارة الصحة «تعتزم إنشاء قاعدة بيانات خاصة بمراكز الإخصاب على مستوى الدولة (...)»، غير أنها لم تستحدث إلى لحظة كتابة التحقيق.
وازدهر تجميد البويضات في ظل تشريع وطني سمح به جاء منسجماً مع فتاوى دينية تضبطه بشروط مغلظة، ترافق ذلك مع نجاحات طبية تمثلت في «5000 ولادة حية من بويضات مجمدة حول العالم»، بحسب الشواربي، فضلاً عن مبادرات محلية أعفت المواطنين من كلفة علاج الخصوبة أبرزها «أمل»، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في مايو 2013، والخاصة بمركز دبي للإخصاب. وقرار برنامج «ثقة» للتأمين الصحي للمواطنين، الذي اتخذه في العام 2017، والقاضي بإلغاء نسبة الدفع المشترك (20%) مقابل علاجات الإخصاب للأزواج الذين يعانون صعوبات في الإنجاب.
وعالمياً كان تجميد البويضات العلاج الأكثر نمواً، وفق تقرير «علاجات الخصوبة: اتجاهات وأرقام» «حصلت الاتحاد على نسخة منه»، الذي أصدرته هيئة الإخصاب البشري والأجنة (HFEA) في مايو 2019، وأكد ارتفاع عدد الدورات العلاجية لسحب البويضات بغية تجميدها بنسبة 10% في المملكة المتحدة. فيما كشفت بيانات «جمعية تقنية التخصيب المساعد» عن أن دورات تجميد البويضات ارتفعت في الولايات المتحدة من 564 دورة في 2009 إلى نحو 8900 دورة في 2016، بواقع 15000%!

فحص البويضات المستخرجة لحفظ السليم والناضج منها

دوافع الإقبال
وتنقسم دوافع النساء الراغبات بتجميد بويضاتهن بين طبية واجتماعية، ويقول الشواربي إن الدافع الأبرز هو العلاج الإشعاعي والكيميائي لمريضات السرطان، والإصابة بأمراض تؤثر في الإنجاب كمتلازمة المبيض المتعدد الكيسات، وبطانة الرحم المهاجرة، وفقر الدم المنجلي، وأمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة الحمراء، إلى جانب دوافع اجتماعية كتأجيل الإنجاب لظروف عمل أو دراسة. ويبرز تأخر سن الزواج مسوغاً اجتماعياً لتوجه فتيات إلى تجميد بويضاتهن، وهو تحد تواجهه الدولة.
وكشفت إحصاءات لوزارة التخطيط نشرتها في العام 2013 عن أن نحو 210 آلاف فتاة تجاوزن سن الزواج، لتبلغ نسبة العازبات نحو 28%. في حين بلغ متوسط عمر الزواج الأول لدى المواطنات 25,7 عام، وفقاً للكتاب الإحصائي السنوي لأبوظبي 2018، وفي ارتفاع سن الزواج تهديد لفرص الحمل، خصوصاً أن خصوبة المرأة مرتبطة بعمرها. والأسوأ أن مركز الإحصاء في أبوظبي كشف عن أن 28,5% من إجمالي حالات الطلاق في الإمارة للعام 2017 وقع في العام الأول من الزواج، فيما لم يكمل أصحاب 52,2% من إجمالي حالات الطلاق ثلاثة أعوام من الزواج! واللافت أن أعلى معدل للطلاق كان في الفئة العمرية بين 20 إلى 30 عاماً، بواقع 42% من إجمالي عدد المطلقين، وهي سن الخصوبة لدى المرأة.
وتبدي المواطنة شيخة م. امتعاضها الشديد من عدم معرفتها بتقنية تجميد البويضات قبل أن تصل إلى مشارف الأربعينيات. تقول «غلبتني ساعتي البيولوجية، وفقدت فرصة إنجاب أخ أو أخت لابنتي من زواجي الأول، فقد وقع الطلاق بعد عامين فقط من ارتباطي، وعقب مرور أكثر من عقد تزوجت برجل أرمل من عائلتي إلا أنني لم أرزق بطفل، كما فشلت محاولتان قمنا بهما للتلقيح الاصطناعي، بسبب تدني جودة بويضاتي، هذا ما قالته طبيبتي»، مضيفة «لو أنني سمعت بتجميد البويضات في وقت سابق، لأنقذت نفسي من هذا المصير».

دورة الإجراء
وإجراء تجميد البويضات ليس هيناً، إذ يستغرق، بحسب الشواربي، نحو 3 أسابيع تمر خلالها المرأة بفحوصات قدرة الإباضة، وسلامة الهرمونات، وكشف بالموجات فوق الصوتية «سونار» لتقييم حالة المبيضيْن وتقدير مخزونهما، كما تخضع لتحاليل دم لاستبعاد أمراض معدية مثل التهاب الكبد الوبائي، وفي ضوء ذلك تُحدد جرعة أدوية الخصوبة اللازمة لها.
ويوضح الشواربي أن الجرعات تؤخذ على شكل إبر تحقن بها المريضة 10 أيام متتالية، في ظل متابعة طبية تتضمن اختبارات دم لقياس استجابتها، وإجراء مسح «السونار» لمراقبة نمو البويضات، وبعد نحو أسبوعين، يجمع الطبيب ما بين 10 إلى 15 منها - تحت تخدير عام- عن طريق مجس يعمل بالموجات فوق الصوتية يدخل إلى المبيض عبر المهبل، ثم يتم إدخال إبرة إلى الحويصلات التي تنمو فيها البويضات لشفطها.
ومع أن الشواربي يقول إن «استخراج البويضات عملية آمنة» غير أنها قد تنطوي على مضاعفات تصفها الخالدي بـ «غير المقلقة»، فقد تشعر المرأة بعدها بألم في البطن بسبب تضخم المبيضين نتيجة تحفيزهما. وفي حالات «نادرة» تصاب المرأة بـ«فرط تحفيز المبيض»، أو بنزيف مهبلي.
وينصح دليل «مايو كلينك» -المجموعة الطبية والبحثية العريقة - على موقعها الإلكتروني المرأة التي تخضع للعملية بطلب المشورة الصحية عند ارتفاع حرارتها فوق 38,6 درجة مئوية، أو إصابتها بمغص حاد، أو زيادة وزنها كيلو جراماً واحد خلال 24 ساعة، أو تعرضها لصعوبة في التبول.
ويشترط مشروع قانون «المساعدة الطبية على الإنجاب» تقديم شهادة من طبيب أخصائي تستبعد أي خطر على حياة الزوجة أو الجنين، أو إلحاق ضرر بليغ بصحتيهما، مع ضرورة شرح التقنية المختارة للمساعدة على الإنجاب للزوجين، وتوضيح مراحلها ومضاعفاتها المحتملة.

ما بعد «الحصاد»
وبعد «حصاد» البويضات الطازجة، تُنقل إلى المختبر فوراً، وهناك تقول اختصاصية الأجنة إيمان أحمد لـ«الاتحاد» إنه «يتم فحصها، والسليم والناضج منها يُوضع في مواد طبية حافظة، قبل أن ينقل إلى عبوات دقيقة تُغمر في خزان نيتروجين سائل تبلغ حرارته 196 درجة مئوية تحت الصفر، ثم تحفظ في مبردات خاصة وفق تقنية التجميد السريع (Vitrification)». وهكذا يتوقف الزمن بالنسبة لتلك البويضات لحين الحاجة إليها.
وتؤكد أحمد، من مركز «بورن هول» لعلاج الإخصاب في دبي «الذي أسسه البروفيسور روبرت إدواردز الحائز جائزة «نوبل» روبرت إدواردز لدوره في تطوير التلقيح الاصطناعي» أن عملية تجميد البويضات تخضع لإجراءات توثيق عالمية «صارمة» تقرّب احتمالية الخطأ من الصفر، حيث يحضر كل مرحلة منها موظفان اثنان، وتُزود العبوة التي تحمل البويضات بشريحة إلكترونية تحمل رقماً خاصاً، وترتبط بجهاز إنذار يطلق تحذيراً صوتياً في حال وضعت في غير مكانها، ويدون عليها اسم المريضة، وتاريخ ميلادها، ورقمها الطبي، وتاريخ التجميد، إضافة إلى إقرار (بلغتها) مُوقّع (منها ومن زوجها) يؤكد الرغبة في تجميد بويضاتها.
وشدد قانون «المساعدة الطبية على الإنجاب» على «اتخاذ أقصى ما يمكن من إجراءات للحيلولة دون اختلاط البويضات»، ووضع آليات رقابة دقيقة، وعقوبات رادعة بحق المخالفين تصل إلى الحبس 5 سنوات، ودفع غرامة مليون درهم.

تدهور عالمي
ويمكن فهم الإقبال على تجميد البويضات في سياق تدهور خصوبة النساء حول العالم؛ فهو يوفر احتياطاً استراتيجياً من البويضات الجيدة للمرأة قبل أن تتجاوز سن الـ35 عاماً. ويقر الشواربي بتراجع الخصوبة في الدولة لأسباب كثيرة منها أسلوب الحياة المعاصر.
إلى ذلك، تقول النائب الثاني لرئيس المجلس الوطني الاتحادي، وعضو لجنة الشؤون الصحية والبيئية ناعمة الشرهان في اتصال هاتفي أجرته معها «الاتحاد» إن تجميد البويضات «حل» لنساء تمنعهن ظروف قاهرة من الحمل في سن الخصوبة؛ كوفاة الزوج، أو وقوع الطلاق، أو الإصابة بمرض يهدد القدرة على الحمل، ما يمنحهن فرصة الإنجاب ولو متأخراً، مشيرة إلى أنه أمر يحافظ على استقرار العائلة فالأطفال «بهجة الحياة»، وتؤكد أن «الإمارات تضع استقرار الأسر وسعادتها ضمن أولوياتها».
وقدرت إحصاءات السياسة الوطنية للأسرة المنشورة على موقع وزارة تنمية المجتمع معدل خصوبة المواطنة بنحو 2,3 طفل لكل امرأة، فيما كشفت إحصاءات المواليد الصادرة عن مركز الإحصاء عن أن معدل الخصوبة في أبوظبي انخفض في عام 2018 ليصل إلى 49,8 مولوداً لكل 1000 امرأة في سن الإنجاب مقارنة بـ 79 مولودا في عام 2011.
وفي السياق نفسه، تقول الشرهان إن «تجميد البويضات يسهم في زيادة عدد السكان، وهو أمر توليه الدولة أهمية قصوى»، فيما يؤكد الشواربي أن «الإجراء مهم للمحافظة على خصوبة المرأة».
ويبدو الخلل شأناً أممياً، فقد كشفت دراسة - نشرتها دورية «لانسيت» الطبية الموثوقة - وتناولت توجهات المواليد من الخمسينيات إلى العام 2017 عن أن «الخصوبة في نصف دول العالم دون النسبة المطلوبة التي حددتها بـ 2,1». ونبهت من «زمن يزيد فيه عدد الأجداد عن الأحفاد».

بُعد اقتصادي
وتسعى الإمارات إلى احتلال مكانة عالمية متقدمة في مجال السياحة العلاجية، علما أن أبوظبي ودبي تحتلان حالياً المرتبتين الـ 16 و25 على قائمة أفضل وجهاتها. واللافت أن علاج الخصوبة كان من بين تخصصاتها الأعلى طلباً في العام الجاري، بحسب المكتب الإعلامي لحكومة دبي.
وكشفت بيانات مؤشر السياحة العلاجية، التي أعلنتها غرفة صناعة وتجارة دبي في أغسطس الماضي، والمنشورة على موقعها الإلكتروني، عن أن مبيعات السياحة العلاجية حققت العام الماضي 12,1 مليار درهم، مرجحة استمرار نموها لتصل إلى 19,5 مليار درهم بحلول العام 2023. وترى الشرهان أن قانون «المساعدة الطبية على الإنجاب» يعزز طموح الإمارات لتكون دولة رائدة في السياحة الصحية المرتبطة بمجال الإخصاب.
وتلقف مستثمرون ازدهار تجميد البويضات، وشجعوا النساء على ادخار خصوبتهن مقابل رسوم سنوية قدّرها الشواربي محلياً بنحو 2500 درهم. وهكذا فإن كل بويضة مجمدة في مركز إخصاب تدر دخلا، وكأن المجتمع استساغ الدفع الدوري لقاء خدمات على شاكلة «مواقف»، أو «نيتفلكس» التلفزيونية.
وفي حين تقول ندى: «لا ضير من إنفاق بعض المال على حفظ خصوبتي، فهي أهم من حقائب الماركات». تلتزم كلير بتسديد استحقاقات تجميد بويضاتها الست في انتظار جهوزيتها لمحاولة حمل جديدة، موضحة «الأمل في الإنجاب قائم ما دمت أحافظ على سلامة بويضاتي المجمدة».
وتتراوح تكلفة دورة العلاج الواحدة بين 25 و30 ألف درهم، بحسب الشواربي، وقد ترتفع التكلفة إلى أكثر من 40 ألفاً في حالة حدوث الحمل لتشمل نفقات الولادة، وهي تتفاقم لدى الحاجة إلى أكثر من دورة علاجية عند فشل المرة الأولى وهو أمر وارد بشدة، غير أنه يبدو متقبلاً لدى نساء مقيمات «مودعات». تقول كلير: «حملت بعد محاولتين، صحيح أن الأمر مرهق صحياً، ومكلف مادياً، ولكن النتيجة تستحق».
وفي ممارسة اقتصادية، تروج مراكز خصوبة محلية خدمة تجميد البويضات تارة بخصومات وصلت إلى 50% في شهر أكتوبر الماضي لمريضات سرطان الثدي باعتباره شهر التوعية بالمرض، وتارة أخرى بمداعبة مشاعر الأمومة عبر صورة رضيع يرتدي قميصا كتب عليه باللغة الإنجليزية ما معناه «بينما كانت أمي تكافح السرطان كنت أنا أسترخي هنا». وفي إعلان على موقع لأحد المراكز، تظهر زهور توليب التي تحتفظ بنضارتها طويلاً بعد القطف، في قوالب ثلجية، ترحب بالزائرات، وتعد الراغبات في تجميد بويضاتهن باستشارات «مجانية».
وفي الولايات المتحدة بنى مستثمرون في قطاع الإنجاب شراكات مع مؤسسات تقدم خدمات صحية وتجميلية للنساء، وتوجهوا إليهن بادعاءات عاطفية على شاكلة «نتفهم خصوبتك»، الذي تبنته شركة «Drybar»، واستهدفوا مناطق الازدحام في مدن مثل لوس أنجلوس بعيادات متنقلة تدعو النساء لاعتناق فكرة تجميد البويضات، وتطرحها كقوة لامتلاك المستقبل.

فكرة استشرافية
وبادرت شركات على غرار «فيسبوك» العام الماضي بتغطية التكاليف لموظفاتها الراغبات في تجميد بويضاتهن، وفق ما نشرته صحف. ورغم أن الفكرة تبدو «استشرافية» إلا أنه ومع أكثر من 2,4 مليار شخص يستخدمون «الشبكة الزرقاء»، يمكن اعتبارها استكمالا لمشهدية تقييم المرأة التي تنصاع لها تحت وطأة الـ«جيروسكوفوبيا» (الخوف من التقدم في السن)، مقتنعة بأنه عليها القيام بكل ما يمكن للاحتفاظ بيفاعة الجسد، كما يمكن تصنيفها «استغلالا» للعاملات لديها فلا يحملن ويلدن وبالتالي يحصلن على إجازات أمومة طويلة، غير أن للأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة سلمى النمس رأياً مغايراً، فهي ترى في المبادرة دعماً لتمسك المرأة بدورها الفطري مهما حققت من تقدم علمي أو مهني.
وتقول: «طموح المرأة الوظيفي يعكس التزامها بدورها في تنمية مجتمعها، ومشاركتها في بناء أسرتها»، وتجد في «تجميد البويضات قراراً مسؤولاً يكشف عن صلابة إرادة المرأة حين يتعلق الأمر بأمومتها التي هي استمرار للحياة بمعناها الأشمل».
وكان «تأجيل الحمل من أجل العمل» الدافع الأقل شيوعاً، بين 150 امرأة اخترن تجميد بويضاتهن لأسباب اجتماعية، وفق دراسة أجرتها جامعة «ييل» الأميركية العام الماضي.
إلا أن «أجود البويضات ربما لا تنجب أطفالا» تقول الخالدي، وهذه قاعدة يدركها الأطباء جيدا، ولكنها تظل مشوشة في ذهن نساء ابتلعن طعم الأمل بتجميدها، مشددة على ضرورة «عدم الإفراط في الوثوق بنتائج التجميد»، فليس ثمّة رضيع في المختبر، بل «بذرة» حمل غير مؤكد! وتقدّر «نسبة نجاح الحمل من بويضة مجمدة بنحو 50%»، أي أن هناك 50% نسبة مهدرة! ويقر موقع «مايو كلينيك» بأن «تجميد البويضات (...) أمر لا يُسلم بنجاحه».
وهكذا فإنه على المرأة أن تدرك جيدا أن الأصل هو الإنجاب في سن الخصوبة ليظل خيار تجميد البويضات قائماً لحالات استثنائية، ولزاماً على الجهات الصحية توعيتها بأخطار تأجيل الإنجاب، وتجنبه بوصفه «ترفا» أتاحه التقدم العلمي.
والمسألة ليست سرا، فهي جلية في الوثيقة التي توقع عليها المقبلة على تجميد بويضاتها «حصلت الاتحاد على نسخة منها»، والتي يمكن وصفها بوثيقة «النأي بالنفس»، فهي لا تقدم أي ضمانات لحدوث حمل، وهو أمر متوقع تماماً، يقول الشواربي: «الحمل مسألة معقدة وخاضعة لإرادة الله عز وجل». وتنص البنود التي وقعت عليها كلير، وهي تشبه المعمول بها في كل مراكز الإخصاب في الدولة، على أن البويضات قد لا تصمد أثناء التجميد أو الإذابة، وأنه لا يمكن ضمان الحمل بعد عملية الإذابة، وأن المركز ليس مسؤولا عن أي عطل فني قد يتلف البويضات.
ويقول الشواربي والخالدي إن فشل الإذابة هو «النقطة الأضعف» في الدورة العلاجية قبل وصول البويضة المخصبة إلى رحم المرأة. ورغم ذلك تقول كلير «وافقت وزوجي على كل ما ورد في الوثيقة، وها أنا اليوم أحمل صغيرتي بين يدي».

واقع معقد
ونظرياً كسر تجميد البويضات قيد «العمر الإنجابي»، إلا أن الواقع أشد تعقيداً، فالحمل لا يتعلق بصحة البويضة فقط بل بصحة المرأة العامة التي تضعف مع الكبر، وعلى النساء اللواتي لديهن رصيد من البويضات المجمدة ألا يرجئن استخدامها حتى يصلن إلى الأربعينيات، فهن بذلك يفقدن قيمة البويضة المجمدة، نظرا لتراجع احتمالية الحمل، وازدياد مخاطره على صحتهن.
وتقول الخالدي «ينطوي الحمل بعد الـ35 عاما - حتى لو كان من بويضة شابة - على مضاعفات صحية جسيمة أبرزها الإجهاض، وارتفاع ضغط الدم، وتسمم الحمل، والولادة القيصرية».
وفي انتظار دخول القانون الجديد حيز التنفيذ تتعاظم التوقعات بشأن تجميد البويضات، إلا أنه لا بد من التريث فصحيح أنه وُلدت لكلير طفلة من بويضة مجمدة، وأن ندى تحس ببعض الطمأنينة وهي تترقب إذن الخضوع للإجراء إلا أن تجميد البويضات يظل تحت طائلة التجريب، وهو في حاجة إلى مزيد من البيانات، فتوقعات الحمل الأولية تتوقف على مآلات لحظة الإذابة لمعرفة هل ستتحول البويضة المجمدة إلى جنين، أم أنها ستذهب بالآمال والمدخرات أدراج الرياح!

إطلالة درامية
فيما يبدو توطئة لـ«تطبيعه» أطل الإجراء للمرة الأولى في مشهد من الجزء الأول من المسلسل المصري «سابع جار» للمخرجة هبة يسري، حيث تظهر عزباء ثلاثينية مرتبكة وهي تطلب من طبيبها أن يستفسر لها عن إمكانية تجميد بويضاتها؛ فيُدهش الأخير من طلبها في تجسيد لعدم جاهزية المجتمع بما فيه جسمه الطبي لتقبل هكذا قرارات.

بُعد جديد
لتجميد البويضات بُعد جديد طرحته دراسة حديثة أجريت في المملكة المتحدة تحت عنوان «?how old is too old» نشرها موقع الـ«ديلي ميل» البريطاني، فبعد أن أكدت أن «احتمالات الولادة الحية من دورة تلقيح اصطناعي تنهار مع الوصول إلى سن الـ45 لتصل إلى 1% فقط»، حذرت من الإنجاب بعد سن الـ 44، فليس عدلاً أن «يكون للطفل أبوان عاجزان عن مجاراته في اللعب والتطور، فضلاً عن ارتفاع احتمالية أن يفقد أحدهما مقارنة بنظرائهما من آباء في سن الشباب».

حضور تقني
لازدهار تجميد البويضات سبب تكنولوجي يتمثل في سهولة التواصل عبر الشبكات الاجتماعيّة؛ فعيادات الإخصاب لها حضور قوي على تطبيقي «تويتر» و«إنستغرام»، فضلاً عن مواقعها الإلكترونية التي توفر خدمة الاستشارات السريعة عبر نوافذ الدردشة، ما ساعد كلير نورث في الإقبال على الإجراء مرتاحة البال. وهي تقول: «المواقع الإلكترونية الخاصة بمراكز الإخصاب، ترحب بالإجابة عن الاستفسارات، وتقدم كل التطمينات الكفيلة بالمضي قدماً».

توجه فضائي!
في مقابلة أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي» في أكتوبر الماضي مع طبيبة نسائية عملت في محطات فضائية حول تأثير ارتياده على أجسام النساء اللواتي يشكلن 11% فقط من مجموع رواد الفضاء، قالت فارشا جاين إن المرأة تكون قد تخطت الـ38 من عمرها حين تقوم بأول رحلة فضائية، موضحة أنه رغم أن «ناسا» ليس لديها بروتوكول يحدد ما ينبغي على رواد الفضاء القيام به قبل البعثات الفضائية، إلا أن «الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء» تدعم توجه تجميد بويضات رائدات الفضاء تجنباً لأي تأثير على خصوبتهن مستقبلاً في حال تعرضن لأشعة كونية خطرة.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©