بصورة يومية تقريباً وفي طريقي للمكتب أمر بشارع رئيس وحيوي من شوارع العاصمة وعند أحد تقاطعاته بناية عليها لوحة إعلانية ضخمة تحمل هذه العبارة «شو السالفة؟»، مرت شهور على اللوحة من دون تغيير أو تبديل ومن دون أن يعرف المارة وأنا منهم «شو السالفة؟» فعلاً، ولكنه أسلوب دعائي قديم، فقد بريق الدهشة والفضول اللذين يفترض أن يثيرهما الإعلان عند المتلقي من الوهلة الأولى، وبما يشير إلى الهزة الكبيرة التي أحدثها «الإعلام الجديد» في هذه الصناعة الضخمة ذات العوائد المليارية، خاصة في زمن «الفاشينيستات»، وما أدراك ما «الفاشينيستات» وما أحدثوه من انهيار هائل ضرب كل القيم والمعايير الأخلاقية والمهنية عرض الحائط.
في زمن احترام الرسالة الإعلانية وجدت نفسي ذات مرة أتابع فيلماً قصيراً عن كواليس تصوير إعلان لا يستغرق أكثر من دقيقة ونصف لماركة شهيرة من العطور الباريسية، وكيف استغرق التصوير أياماً وتصميم وتنفيذ ديكورات باذخة ومتنوعة وإعادة تصوير لقطات متسارعة وخاطفة من أجل صنع وتحقيق التأثير المطلوب، في جهد كبير لا ينم سوى عن الاحترام للمتلقي والمشاهد بعيداً عن محترفي «سلق البيض» في دوائر وشركات الإعلان في عالمنا العربي، والذين يترنحون هم أيضاً اليوم على يد القادمين الجدد الذين قلبوا الطاولة على الجميع. ووجهوا أكبر الأذى لأخلاقيات وتقاليد وأعراف المجتمع، وشوهوا ذائقة الأجيال. والطامة الكبرى أنهم يتصدرون المشهد ويقدمون أنفسهم على أنهم نماذج يقتدى بها، وللأسف هناك من يشجعهم ويرعاهم بل وتشارك جهات رسمية وشبه رسمية ومؤسسات كبيرة على الاستعانة بهم وتقديمهم في صفوف التكريم والمناسبات الكبيرة لها تحت شعار مواكبة الجديد مع غياب الاتفاق حول معنى «المؤثر» الحقيقي.
تأثير تسبب في تآكل وانعدام مداخيل الكثير من القطاعات التي كانت تعتمد على الوسائل التقليدية في إيصال الرسائل الإعلانية بمختلف أشكالها المسموعة والمقروءة والمرئية.
قبل أيام ظهرت إحدى هؤلاء «الفاشينيستات» تروج لمطعم للمأكولات البحرية وهي تطلق عبارات وإيحاءات يخجل المرء منها، فما بالك بواحدة ترتدي العباءة وتزعم الانتماء لمجتمع محافظ كمجتمعاتنا مثل هذه الأفعال «منقودة» عند العرب.
وتداول القوم مؤخراً مقطعاً مصوراً لـ«فاشينيستا» يجثو عند أقدام مغنيته المفضلة ويقبل رأسها من «هول صدمة مشاهدتها لأول مرة»، الصدمة بالنسبة لي كانت أن ذلك المقطع حقق أكثر من مليون ومائتي ألف مشاهدة في غضون ساعات قليلة، ليطرح السؤال الكبير نفسه «شو السالفة؟، والى أين نحن سائرون؟».


