منذ أرسطو والإنسانية تعيش الخدعة البصرية وتعلن صراحة أن الإنسان كائن اجتماعي، ولكن هل يا ترى هذه الخدعة مجرد خدعة، لتطمين الإنسان على حقيقة إنسانيته، أم أنها حقيقة موضوعية لا تقبل الجدل؟
ما يحدث في العالم من تخثر في دم العلاقات الاجتماعية، وما ترتكبه العقلية البشرية من جرائم في حق البشر الآخرين، وما يتم إشعاله من حروب ضارية تأكل الأخضر واليابس، يشير إلى أن هناك جينة وراثية عقيمة، تدفع بالتي هي أسوأ، وتمنع من حدوث الاجتماع البشري.
وليس هذا تشاؤماً، ولكن حقيقة نراها، ونلمسها في واقعنا الإنساني، وسوف تظل الشعوب تعانيها إذا لم ينتصر الوعي على العقل الباطن، ويهزم جبروته، ويلقي به في برميل نفايات عملاق لا يستطيع الخروج منه، ولا يمكنه تحريض الإنسان على الفتك بأخيه الإنسان.
عندما نرى الاجتماع الإنساني بدءاً من علاقة الأطفال ببعضهم، وانتهاء بالكبار، يجب ألا نصدق هذه الحيلة؛ لأنه ما دام العقل الباطن هو السلطة المسيطرة، فإنه كل ما يحدث من اجتماع بشري ليس إلا لغرض مصلحة ذاتية، فجة، ولا يمكن البناء عليها إلا إذا استطاع الإنسان أن يترجم هذه الصورة الجلية، إلى صورة واقع معافى، مشافى من درن العقل الباطن.
فالإنسانية بحاجة إلى الوعي، لأنها تعاني حقيقة من اللاوعي، وهو القوة الفتاكة التي تغزو الحياة البشرية، وتبسط نفوذها، تمد أذرعتها على مساحات واسعة من حياة البشر وتجعلهم يتخبطون في دياجيرها، ويتقهون في غاباتها المتوحشة، ويضيعون في مشاربها، ومآربها، ودهاليزها، وكواليسها، ولا مفر طالما العقل يغوص في لجة اللاوعي، ولا مجال للتآلف طالما الإنسانية تهيم في مستنقعات غي اللاوعي، وطغيانه، وليس المطلوب تكذيب ما جاء به أرسطو، فلربما كان الرجل يعيش في ظرف اجتماعي مختلف، ولكل عصر ظروفه، ولكل فيلسوف مساحته في التحرك لأجل التقاط الفكرة المناسبة، المطلوب ألا تستمر الخدعة، وإلا تكون الفكرة الموضوعة مقبل هذا الفيلسوف أو ذاك، مومياء تحت جليد، لأن الفلسفة ليست حقيقة موضوعية وإنما هي طريقة تفكير، وواجبنا جميعاً أن نفكر، وأن نقدم للعقل حصة يومية ينطلق من خلالها نحو أفق جديد لا يكون نسخة طبق الأصل من أفكار الآخرين.
فالإنسان بطبعه انعزالي طالما يعيش تحت رعاية العقل الباطن، ولا يستطيع فك هذا الحصار إلا إذا تخلص من قيود العقل الباطن، واستطاع التقاط أنفاسه في غرفة العقل المكيفة بهواء الوعي.