يقول أدغار موران (التاريخ لعبة مزدوجة، ولا قانون للتاريخ) أهذه نظرية حقيقية، التي أطلقها هذا الفيلسوف الفرنسي الكبير؟ ونحن نقف على شواهد التاريخ، وما يحدث أمام أعيننا وليس نقلاً عن صحائف وكتب، يؤكد ما ذهب إليه موران.
فالتاريخ لا قانون له، والقانون الوحيد هو أن أي تطور ينطوي على السخط على ما سبقه.
وهذا نلمسه في الحوار الجدلي بين المجتمعات وبخاصه ما يدلي به المتخاصمون من بني البشر، وهذا يشير لنا بالبنان، والبيان بأن التقدم في العلم لا يضمن التقدم الأخلاقي، والثقافي، وبالفعل هذا يحدث في الواقع، وما نراه اليوم في حوار الحضارات، يصبح خاضعا للنفس الأمارة، وتسير الأمور على غير ما يعلن عنه في الفلسفات الكبرى، من أن العصر، أي عصرنا الحديث، يشهد حواراً للحضارات ناعمة الملمس، شفافة الحس، زاهية المنظر، لأن ما نراه على الواقع ليس إلا أن التقدم العلمي لا يرى في الأصل الإنساني إلا تخلفاً، وبدائية، ولم ير في الحقيقة البشرية إلا في حركة التاريخ التصاعدية، في حين أن التاريخ كما ذكر موران وهذه حقيقة، ليس إلا لعبة مزدوجة.
وما الحروب التي تحرق اليوم قميص الحقيقة، وتشوي جذور العلاقة في الوجود بين البشر، وتحول هذه العلاقة إلى علاقة تصادمية، قاسية، تدمر من خلالها كل أوجه الحضارة، وكل ما دعت إليه الديانات السماوية، والأرضية، لماذا؟ لأن التعلق بالأفكار، طريق إلى جحيم المفاهيم المغلوطة، ونافذة إلى الأفكار السوداوية، المغلقة والسائدة تحت الجلد وفوقه.
فالتطور الذي يتحدث عنه (المتطورون) ليس حكاية ليلية، تمسحها أشعة الشمس في الصباح، فالتطور الحقيقي هو الإيمان بالوجود كوحدة، والصدق في المعتقد الإيماني الحقيقي وليس مجرد تعلق لوحة تشكيلية مزيفة على ركن غرفة قديمة، قدم الدهر.
سيرين كير كجارد فيلسوف وجودي معتق، أعلن في تصريح فلسفي مهم للغاية، عندما قال (من لا يستطيع الكشف عن نفسه، لن يستطيع أن يحب، ومن لا يحب، يعيش أبد الدهر تعيساً)، فالحب في نهاية الأمر هو جوهر التاريخ الإنساني، وهو إن لم يكن مصاحباً لأي دورة تاريخية، فإن التاريخ يصبح سهام غدر، وتدمير للفرد، والآخر.
فنحن بالحب نزيح عن كاهلنا غلظة الفظاظة، ونكشح عن جذورنا لحاء العبثية الوهمية التي يصدرها لنا خيالنا المريض.
فلعبة الموت والحياة إن لم تنق مثل القماشة من دنس الخيال لجم، وإن لم يستطع الإنسان التفريق بين الوهم والحقيقة فإنه لا مجال له في النجاة من نار العدمية، ولا فرصة له للعيش من دون الحروب المدمرة، والغثيان الأناني الذي يملأ رأسه بالصور الخرافية، بأن الأصلح، وأنه الأحق بالعيش من دون غيره.
لا يمكن للحياة أن تستمر وهي مغطاة بغلاف سميك من الخرافة اللجة، ولا يمكن للتطور أن يعلن عن صدقه، إلا بالتخلص من رواسب الماضي، وكل الصدأ الذي علق بالعقل، جراء تسديد الحقن الوهمية لهذا العقل، واعتقاد الإنسان أنه ليس أفضل من الحيوانات وباقي المخلوقات غير العاقلة، بل إنه أفضل من أخيه الإنسان، وهذه هي المعضلة، عندما أقول إن ديانتي أفضل من ديانتك، أو عرقي أنقى من عرقك، وهكذا تستمر الصور الوهمية تكبر وتتورم، وتبدو في الوجود قيحاً مزمناً لا علاج له سوى الوعي بأهمية أن نؤمن بأننا أبناء الأرض، وأن الأرض هي بيتنا، والسماء سقفها الصافي، المرصع بالنجوم.


