تبدو الحاجة إلى شخصيات نابضة وحية في أي عمل روائي هي الأكثر إلحاحاً لاعتبار هذا العمل ناجحاً ومستحقاً. ومهما كانت العناصر الأخرى متوافرة يبقى ذلك العنصر الأكثر أهمية في رأيي. فعندما نقرأ أي عمل أدبي وخصوصاً الأعمال الروائية، يخضع تقييمنا لهذا العمل أو ذاك لعدد من المعايير، أهمها الفكرة واللغة والحبكة وعمق شخصيات العمل ودرجة إقناعها، وفي رأيي أن عمق الشخصيات ودرجة إقناعها للقارئ من المعايير الرئيسة التي تجعلنا نرتفع درجات بعمل من دون آخر، وخاصة أن مساحة السرد في العمل الروائي تقدم هذه الميزة التي لا تتوافر في النص القصصي القصير. وكما قال الروائي «أورهان باموق»: سواء أكان أبطال رواياتي أقوياء أم ضعفاء، أحتاج إليهم لاكتشاف عوالم وأفكار جديدة.
أجد في التركيز على هذا المعيار أهمية بالغة، وفي تجاهل الكاتب له استخفافاً -بعمد أو بغيره - بالمتلقي المتابع للسرد الروائي، فماذا تتوقع من قارئ يتابع مجرى حياة شخصية ما منذ ولادتها ومدركاً لكل الظروف الاجتماعية والنفسية التي أحيطت بها، ثم يتحول إلى فعل لا علاقة له بكل المقدمات السابقة! أذكر قوة هذا العنصر في عمل لا يغيب عن ذاكرتي رغم قدمه، رواية «ترمي بشرر» وبالرغم من كل الانتقاد الذي حظي به المبدع عبده خال -آنذاك- بسبب مقدار الشر والسوء الوارد في شخصيات العمل، إلا أنه حاك الشخصيات بعبقرية فريدة، ولا أكاد أنسى شخصية البطل «طارق فاضل» الذي يصبح أداة يفتك بخصومه بأبشع الطرق، إذ لا يمكننا ونحن نقرأ العمل إلا وأن نقتنع بأن خط سير حياة البطل منطقي تماماً، فقد جاءت مقدمات حياته سواء الأسرية وعلاقته بعمته أو ظروفه المعيشية وكل الحوادث في حارته وتعلقه بالقصر وكل الأضواء من بعيد، مناسبة تماماً للخط السردي ونهايته.
إهمال هذا الأمر وعدم التعامل معه بحنكة يجعل الكتابة مدعاة للسخرية والاستخفاف من قبل القارئ الحقيقي، إذ يراها سقطات مخلة وكبيرة في العمل الروائي، ويجب هنا الإشارة إلى أن ملاحظاتي هذه لا علاقة لها بطبيعة الشخصية، فأنا هنا لا أناقش هل هي طيبة أم شريرة أم ساذجة، وإنما أناقش مسوغات طيبتها أو شرها وحتى بلاهتها، وإرهاصات الشخصية التي تدفع بك لنهايات النص وأنت على قناعة واقتناع بالفعل وصاحبه.


