تعمّق الدكتور حماد الخاطري في بحثه الطويل والعميق، ودخل في حواري وأزقة المكان في حوارية ممتعة أجراها مع التضاريس، وفي مساجلة بحثية اعتنى بها كثيراً، وهو يسرد قصة الأمكنة، وقد لجأ الدكتور إلى مصادر عوالم ومعالم في التاريخ العربي أمثال ابن منظور، والزبيدي، والأزهري، والقائمة تطول والسرد يمضي في الثنيات والطوايا من هذا البحث، والكثير من المصطلحات والكلمات كانت تغيب عن أذهاننا، ووجدتها ترمش بعيون لسان العرب، والقاموس المحيط، وكلما أسرجت خيل الفكرة وجدت نفسي في ميدان سباق مع الكلمات، كما مع الأفكار، لأن الدكتور حماد لديه من الصبر والجلد على تتبع التفاصيل ما يجعلك تتوقف قليلاً ريثما تأخذ نفساً عميقاً، ثم تواصل القراءة، وهذه ميزة لا تتوفر إلا في المفكرين الكبار، وغالباً ما يكونون في سالف الأزمان.
وكتاب المعجم الجغرافي لإمارة أبوظبي، تناول التضاريس للإمارة، كما يتناول صائغ الذهب حبات السلسال الذهبي بتأن وتؤدة، كي تصبح القلادة في كامل رونقها وجمال بريقها، وأعطانا الخاطري مفصلاً عن المعاني للكلمات، وقدّم سلسلة بحثية معمّقة عن تضاريس الإمارة، معتمداً في ذلك على التتبع الهجائي للحروف، من الألف حتى الياء. 
في هذا الكتاب، في هذا المعجم (المحيط) لم يكتف الدكتور حماد في البحث عن المواقع والدرر في عاصمتنا الجميلة بل دخل في صلب اللغة، وفي ضلوعها وأطرافها، ومتنها، وعمقها، وقدّم تفصيلاً واسعاً في جذور الكلمات عبر عبوره المتيّم بالمعاجم اللغوية، وهذا ما يمنح الكتاب أهميته البالغة بالنسبة للدارسين الذين سيأتون من بعدنا، ويسألون عن المكان، وعن أصوله وفروعه، ومكانته وكينونته، سؤال الوجود الأهم هو ما بذله الدكتور حماد، من جهد في إعطاء القارئ نبذة موسعة عن شاعرية المكان، كونه شاعراً أخذه البحث إلى أماكن بعيدة في جمالية المكان وتسامي الكلمات، والبعد الوجودي لإمارة أبوظبي كونها تمثل البقعة الجغرافية العميقة، والتي منحها زايد الخير، طيب الله ثراه، الركيزة الأساسية في قلب الصحراء، لبلد نما وترعرع على أسس التقاليد البدوية الأصيلة، ورغم الحضارة التي مدت وشاحها البراق على كل حبة رمل، فإن التركيز على ما تختزنه هذه الرمال الذهبية من مكنون ثري بثقافة الإنسان، وفكره الباذخ، وترف العطاء، وحب الانتماء، وشغف الولاء، لأرض كانت ولا تزال تمثل المستقبل، كما هي في الحاضر لمعة النجمة على تراب أبيض ناصع، منحتها القلوب الوفية جمال التكوين.
وأتمنى من عشاق الكلمة، والبحث العلمي أن يلتفتوا لهذا الكنز الثقافي العلمي الذي قدمه الخاطري، وأن يمنحوه حقه في الدراسة، والنقاش، والحوار.