تصادف في رحلاتك الكثيرة أشخاصاً، لا يمكن أن يكونوا طبيعيين أو يسافرون على طبيعتهم، وكأن السفر يجعلهم يظهرون ما في دواخلهم، وما يعتمل في صدورهم، من نواقص، وعقد، وأمراض نفسية، وهؤلاء اللهم أبعدهم وأسعدهم، ويفكّنا من شرهم، وسنكتفي بالذين يفعلون بعض الأمور بتلك البساطة والعفوية، تجدهم يخدمون ويتجملون، ولا يدري الواحد منهم لما يفعلها؟ وربما تأسف على فعلها بعد حين.
هؤلاء هم أقرب للمتبرعين المجانيين لفعل أي شيء حتى لو لم يخصهم، كثير منهم ظرفاء، ويأتون الأمور لتمضية السفر بمتعة مطلقة، مثل أولئك الذين يظلون يبتسمون للمضيفات من أول دخولهم الطائرة، وتجدهم ينتقون ويميزون، وكأن المضيفات مشاريع لسهرات في يوم ما، منهم من يفتح حقيبته ويخرج نظارة القراءة، وكتاب «جان بول سارتر» «الوجود والعدم» الذي هو بحجم قاموس «لاروس» الفرنسي أو «اكسفورد» الإنجليزي، قال الحبيب لا يجب أن يضيع وقته الذي كله ثقافة في ثقافة، والمؤكد أنه لن يستطيع أن يخلص صفحتين من ذلك الكتاب الدسم، إلا والنوم بارك على صدره، وجفونه ثقيلة، بعضهم يجلس، ويظل «يتميلح ويتمحكك»، ثم يبتسم لها تلك الابتسامة التي تخرج باردة من خاطره، ويعطيها معطفه لتعلقه المسكينة، ثم يناديها بعد لحظات بحجة أنه يريد أن يأخذ بعض الأوراق المهمة فيه، وهي أوراق نصفها لمشتريات بطاقته الائتمانية من السوق الحرة، ونصفها بطاقات «بزنيس كارد» لأشخاص التقاهم صدفة، ولا يريد أن يتعرف عليهم في يوم من الأيام.
بعض من هؤلاء المتطوعين الظرفاء المتجملين يظلّ يطرح أسئلته الكثيرة على تلك المجبرة أن تساير المسافرين بحكم عملها المتدربة عليه، عن الاستثمار في المغرب، والعقارات في جنوب فرنسا، وأنه يفضل السكن الهادئ في ربوع سويسرا، ويتدنى حتى يكاد يغمرها من نفحات هواء كذبه، أنه يفضل التسوق السنوي في لندن وباريس وميلانو، وكلها حبائل سرية، لكي يصل لرقم تلفونها أو على الأقل يوهمها بأهميته الشخصية، وعلو مكانته الاجتماعية، وأنها مرحب بها دوماً في حديقته، وحدها المضيفة الإنجليزية ذات الخبرة الواسعة في مجال الضيافة، والمشارفة على الخمسين من عمرها المديد، تسلم من شرر المسافرين، وجلهم يتمنى لها التقاعد العاجل، أو أنه آن أوانها لكي تستلم وظيفتها كمضيفة أرضية.
أما مضيفات دول أوروبا الشرقية، وروسيا، وجمهوريات آسيا الوسطى والعربيات، وجميلات آسيا القصوى، فهن في مدار الرمي القريب، فتجد ظرفاء السفر والمتجملين من يعسفها بقصيدة نبطية بيضاء عصماء، تنفع أن يغنيها مطرب «كاسر مَلّة» أو مطرب شاب في أول شريط له في مشواره الفني غير الواضح والمؤكد، ومنهم من تظل صورة تلك المضيفة تسافر مع أحلامه، ومن يقدم لها خدماته المجانية قبل خاتم الخطوبة.. وغداً نكمل.


