لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، حدثاً عادياً في زحمة التصريحات الدولية.
فبينما كان بصدد الإعلان عن خطة لوقف الحرب في غزة، اختار ترامب أن يتحدث عن «سلام أبدي في الشرق الأوسط»، موجهاً شكره إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، واصفاً إياهما بأنهما «قادة رائعون».
هذه الإشادة ليست مجرد عبارة بروتوكولية، بل انعكاس لإدراك واشنطن لدور الإمارات المتنامي في صياغة مقاربة متوازنة تجاه قضايا المنطقة، حيث يلتقي الطموح بالواقعية، والدبلوماسية بالمسؤولية.
أهمية الحدث لم تتوقف عند كلمات ترامب، بل تجسدت في البيان المشترك الصادر عن وزراء خارجية الإمارات والسعودية وقطر والأردن ومصر وتركيا وباكستان وإندونيسيا.
بيان غير مسبوق من حيث تشكيلة الدول الموقعة، جمع أطرافاً إقليمية وإسلامية كبرى تحت سقف واحد، مرحّباً بالجهود الأميركية لإنهاء الحرب في غزة، ومشدداً على الشراكة مع الولايات المتحدة في ترسيخ السلام.
اللافت أن البيان لم يكتفِ بالتعبير عن الدعم، بل وضع خطوطاً واضحة لأي تسوية مقبلة: وقف الحرب، إعادة إعمار غزة، منع التهجير، إطلاق سراح الرهائن، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتكريس حل الدولتين.
يمكن القول: إن هذا التلاقي بين تصريحات الرئيس الأميركي والبيان الوزاري العربي- الإسلامي يعكس إدراكاً جماعياً بأن اللحظة الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول. فالمعادلة واضحة: لا استقرار إقليمياً بلا تسوية عادلة تضمن حقوق الفلسطينيين، ولا قبول لمشاريع التهجير أو فرض الأمر الواقع.
كما أن إبراز دور الإمارات في هذه المعادلة يعكس حقيقة أن الإمارات لم تعد مجرد طرف داعم من بعيد، بل لاعب رئيسي في قلب المشهد، يسعى إلى صياغة مسارات جديدة للسلام، ترتكز على الواقعية السياسية، وتعطي الأولوية لحماية المدنيين، وإعادة بناء ما دمرته الحروب، ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
كلمة أخيرة.. بين «السلام الأبدي» الذي تحدّث عنه ترامب، و«السلام العادل» الذي يشدد عليه البيان العربي- الإسلامي، يكمن التحدي الحقيقي: كيف ننتقل من الشعارات إلى الأفعال، ومن المنابر إلى الميدان.
لكن المؤكد أن الموقف الجماعي، الذي تتصدره الإمارات ودول المنطقة، بات اليوم أكثر صلابة وأكثر وضوحاً في رسم ملامح مستقبل لا مكان فيه للعدوان ولا للاستفراد، بل للسلام القائم على العدالة والاعتراف المتبادل.
فخورون بقيادتنا الرشيدة ودبلوماسيتنا النشطة التي تتحرك انطلاقاً من مسؤوليتنا التاريخية، وتعبر عن موقف سياسي واضح يدين الظلم، ويؤكد حق الفلسطينيين في الحياة الكريمة والحرية، ويشدد على أن المواجهات العسكرية لا تحلّ الصراعات، وأن الحروب لا تصنع حلّاً.


