اليوم أدخل عاماً جديداً في حياتي. أخبرتني أمي أن يوم مولدي كان عصيباً، ولا أدري هل لأنها كانت الولادة الأولى أم أنها فعلاً كانت عسيرة!، عموماً كانت طفلة تلد طفلة؛ لم تكن أمي قد تجاوزت السادسة عشرة من العمر عندما أنجبتني، وحيدة من دون أهلها في غربة. ولهذا صدقت والدي عندما أخبرها أن القطط تأكل الصغار، فكانت تبكي كلما اقتربت قطة من المنزل، وبقيت كذلك حتى بعد أن أصبح حجمي أكبر من القطط. أخبرتني أنها جعلت جارتها تخيط لمولودها المقبل، أطقماً بيضاء كثيرة بزخارف زرقاء وخضراء، وكانت تغسلها كل يوم فرحاً بها وتعلقها لتتعرض للشمس، حتى قبل أن أولد. كانت تُهيّئ للضوء استقبال مولود سيبدد وحدتها.
كلما استرجعت يا أمي تفاصيل ولادتي، أشعر أنني مازلت عالقة في قصصك، أعيش في ظل تلك الطفلة التي خافت على مولودتها من القطط، وعلّقت ملابسها البيضاء لتشمها الشمس. كبرت يا أمي في العمر، لكنك بقيت تلك الفتاة الخائفة في الغربة. وفي كل مرة أكتب فيها أحاول أن أقول لك إن القطط لم تأكلني، وإن الحياة كانت رحيمة بما يكفي بأن تجعلنا في أمان بعيداً عن غدر القطط والغرباء، رغم كل القلق والخوف الذي أورثتيه لي.
تعتقد أمي أني وُلِدت مرة واحدة، لا تعلم المسكينة أنني أولَدُ كلما خِفت، وكلما اعتصرني الفقد.. وكلما كتبت! في كل عام أبحث عما كتبته سابقاً في ذكرى مولدي وأعيد قراءته، لأكتشف أنني كنت أتعلم كيف أكون بلا خوف، وأن ما ظننته تحرراً لم يكن سوى بداية أخرى لولادة جديدة. ألا تعلمين يا أمي أن الكتابة ليست سوى غرفة ولادة مفتوحة على الدوام، أخرج منها في كل مرة بملامح جديدة، وبشيء من وجع لا يزول!.
في كل عام أتقدم فيه، أكتب نفسي من جديد، في محاولة أن أتصالح مع المسافة التي بيني وبين من كنت. وكلما فعلت، أدركت أن نجاتي كانت في قدرتي على الحكي، كما كانت نجاتك في قصصك تلك. حين أكتب يا أمي، أشعر أني أواصل ما بدأته يوم علّقت ثيابي البيضاء للشمس، أترك كلماتي لتجفّ تحت الضوء.. لعلي أتحرر بها.


