العين الباردة، يملؤها دفئاً كتابٌ فيه جملة تفصيلية عن ثقافة تسربت بين الضلوع حتى أصبحت دماً يفيض بالحياة بهجة وعزاً وافتخاراً.
اليوم، ونحن نمر على أجنحة كأنها النسور تحمل على عاتقها مسؤولية حماية الإرث الثقافي لبلد آمنت قيادته الرشيدة بأن للكلمة سحرها وسرها وسبرها في نعيم الحياة، وبذخ المعطى، وترف المشاعر الإنسانية.
حين تحضر الثقافة، تتلاشى تقطيبة الجبين، وتسفر العيون عن بريق كأنه البرق في أحشاء الغيمة، كأنه الحلم بين الرموش الناعسة، وكأنه الموجة تقرأ «سورة الإخلاص» على بلد له في نعيم الإرث الثقافي تاريخ يزخر بالمعطيات، والشعر فيه رواية تسرد حلم إنسان خطا هنا، وهناك رفع خيمة العز، وعند شغاف الصحراء نصب مضارب الألفة يبغي الدفء.
في العين اليوم يبدو الكتاب متناغماً مع أجوائها المخملية، وتبدو الأمسيات شراعاً رخياً يفتح للأفق بوح ملاحم شعرية، وروائية تحكي قصة التاريخ، وهو يسجل على سبورته عناوين مجتمع أسس على بيت الشعر، وجملة الحكاية، وتنامت أشجاره تظلل مآثر، ومخابر إنسان تعلم من الصحراء كيف يكون شفافاً، وكيف يكون صارماً، يواجه الحياة بصبر وجلد، ويمضي في الأيام يقود جياد التألق بقراءة متتالية لشكل النجمة، ولون البحر، وأسباب تدفق الغيمة وهي ترخي صرعاً كي تروي عطش النياق، وتملأ جعبة القصيدة ثراء بالمعنى، وغنى بقافية الأحلام ما قبل أفول القمر، وبعد بزوغ الشمس.
العين الباردة تدفئ أطراف أصابعنا بلمسة لكتاب تهواه النفس، ويخلب به العقل، وتطير به الروح. العين الباردة هي كنز جيل هواه من نافذة الكتاب، ودفئه من مخمل قصيدة، أطلق عنانها محمد راشد الشامسي، وحامد زيد، وأصبحت اليوم أيقونة في الذاكرة الإماراتية، أصبحت اليوم المسافة ما بين الحاجب والحاجب، أصبحت اليوم أغنية على شفاه الطير، تلحنها شجرة الغاف، تطرب لها النخلة وهي تمعن النظر في كتاب جلله المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأجمل العبارات، وأنبل الأبيات.
العين باردة، والقلب دافئ، والهوى عشاق يجولون في المكان مثل زعانف تبحث عن عمق في المحيط.
العين الباردة تحرضني على طلب الدفء، وتؤلب في رعشة الكتاب، وهو يهفهف بين يدين معروفتين، والندى ماء ودواء.
العين الباردة تغسل شغف قراء في سن الورود، عيونهم مثل قطرات الندى الفضية، وألسنتهم لم تزل تلجلج عند حرف الراء، وحرف الذال.
وفي الليل تتلحف العين بهواء مثل ملاءة حريرية، ونغم احتفالات تفتح نوافذ الفرح، وتسرّج خيول الوعي نحو عوالم نجومها كلمات، وسحاباتها عيون في طرفها حور.


