مرات تتذكر ويغلبك التحسر والندم، هكذا نحن الذين جربنا زيارة بلدان أوروبا الشرقية المذهلة بجمالها وتقاليدها المختلفة أيام ما كانت عروساً جميلة وأصيلة وبنت ناس، ومهرها قليل وخيرها كثير، آه.. كم تغيرت علينا كتلة أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية، وسقوط جدار برلين، وانتهاء حقبة الحزب الحاكم الواحد، وتفكك الاتحاد السوفييتي الذي كان يقود بلدان هذه الكتلة فكرياً، ومنهجياً، وله موطئ قدم لحذاء جنديه في الجيش الأحمر في كل مكان.
اليوم.. حدثت تغييرات دراماتيكية قلبت كل شيء، وبدلت في كل شيء، بما فيها الإنسان وأخلاقياته، لأن بعض القيم تغيرت، ودخلت مفاهيم وسلوكيات جديدة، وعرف مواطن أوروبا الشرقية معنى آخر للحياة، وألواناً زاهية فيها، بعد أن أدخله الاتحاد الأوروبي ضمن جناحه، فارضاً عليه التأهيل وتغيير نمط الأدلجة، والاندماج الكلي في معترك الاتحاد الأوروبي، ونبذ الفكر القديم، بعيداً عن تعريفاتهم السابقة لمعنى الاستهلاك، والرفاهية، والاكتفاء بمستلزمات وضروريات الإنسان «الثوري»، ولكل حسب طاقته، والانصياع الأعمى للقيادة المركزية للحزب!
أتذكر.. أيام أوروبا الشرقية الخوالي، يوم ما كانت علبة السيجارة الأميركية الحمراء تعمل العجب، أقلها أن تطأ بقدمك المرتجفة سجادة حمراء، بعيدة عن شواربك بقدر نجمة معلقة في السماء، ويوم ما كان «الجينز» الأزرق هو مفتاح مرورك لكل المعابر والقلوب، وأيام ما كانت العلكة تسهل كل أمر عسر، خاصة عند نون النسوة، وأخواتها، وزجاجة العطر، ولو كان رخيصاً، تقليد سنغافورة، ولا يصلح أن يكون كولونيا لما بعد الحلاقة، هو أقرب لمعالجة الجروح، لكنه كان يفرح قلب «نتاشا وأنوشكا»! كان إيجار الفيلا الفخمة بمائة وخمسين دولاراً في اليوم، من تلك الفيلل المحاطة بالأشجار المثمرة، والحدائق الغناء، وفيها مسبح يضحك للقادم، مثل ذلك الذي كنا نراه في المجلات الإنجليزية، والأفلام، ونتمناه لو يكون في بيوتنا.
يوم ما اشتريت سطل عسل نحل نقياً من جبال سراييفو بـ 30 دولاراً تقريباً، والعجوز ما زالت تودعني بنظرات الشكر، غير مستخسرة ذاك الذي أعطتني إياه، وكأنه لابنها، وسحبته معي إلى باريس ولندن، ولم ارتح إلا حين استقر في مستودع البيت، وبقيت أسعط منه حولاً كاملاً.
أيام كنا نلف يوغوسلافيا بجمهورياتها الست، والجيب لا يشتكي من عوز أو حاجة، صحيح لم يكونوا يعترفون كثيراً ببطاقات الائتمان، وربما لا يصدقونك، معتقدين بانك تضحك عليهم، تأخذ بضاعتهم، وتعطيهم ورقة بقدر لسان القط الشارف الهرم، مذيلة بتوقيعك، ما أحلى توقيعك إن لقوا بعد بيعة ربما هي كل الكد والتعب والصبر والربح، الهواء وقبض الريح.
أيام كنا نقول إننا ذاهبون لمدة أسبوع، وإذا بأسبوعهم غير أسبوعنا، أسبوعهم هناك مختلف، ومدته خمسة وثلاثون يوماً، في تلك الأيام الجميلة الخوالي، والتي لن ترجع لا لنا نحن السياح الدائمين، والذين نظل نوازن بتقتيرنا بين المصروف من المال، والمتبقي من الأيام، ونظل نبحث عن أرخص الأشياء، لكي لا يغلبنا بائع أو يضحك علينا دلاّل، تلك الأيام ربما لا يتمنى رجوعها أيضاً أهالي بلدان أوروبا الشرقية أنفسهم، لأنها تذكّرهم بالكد دون فائدة، والعمل المضني دون تملك، وبحقبة من الحكم الشمولي، والتبعية الحزبية، والعسكرية، للدب الروسي الكبير، تذكّرهم بحروب كانت خاسرة، ورهانات ضائعة، وطاقات من زهور الأوطان غابت في السجون، والمنافي الباردة، وكانت صيداً سهلاً لزوّار الفجر، وآلاتهم الحديدية القاطعة! كانت أياماً من لم يعشها لن يتخيلها.. وغداً نكمل.


