الجوائز رسائل حضارية مكثّفة تُرسلها الأمم إلى العالم. ومن هذا المعنى العميق، يجيء مشروع «نوابغ العرب»، الذي أطلقه ويرعاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، ليغدو أكثر من جائزة، وأبعد من تكريم؛ إنه إعلان ثقة بالعقل العربي، واستدعاء واعٍ لدوره التاريخي في صناعة الحضارة، وقدرته المتجددة على استئنافها.
في حفل بهيج احتضنه متحف المستقبل بدبي، المكان الذي لا يُجسّد الزمن القادم فحسب بل يصنعه، تم تتويج كوكبة جديدة من الفائزين بجائزة «نوابغ العرب 2025». اختيار المكان لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل دلالة رمزية عميقة: فالمستقبل، كما تؤمن الإمارات، يُبنى بالعقول، لا بالشعارات.
الفائزون الستة، من العلوم الطبيعية إلى الأدب والفنون، يمثلون طيفاً معرفياً وإنسانياً واسعاً، يؤكد أن الإبداع العربي لا يعرف مجالاً واحداً، ولا يقف عند تخصّص بعينه. إنهم نماذج حيّة لعربٍ آمنوا بقدراتهم، فبلغوا العالمية، ليعودوا اليوم قدواتٍ للأجيال الصاعدة.
وإذ باتت الجائزة تُعرف بـ «نوبل العرب»، فإن هذا الوصف لم يأتِ من فراغ. فالمكانة التي اكتسبتها خلال سنوات قليلة، والدور الذي تؤديه في تسليط الضوء على الإنجاز العربي، جعلاها محطة سنوية ينتظرها المثقفون والباحثون والمبدعون، بوصفها احتفاءً بالعقل قبل كل شيء.
رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، المتكرّرة مع كل إعلان للفائزين، تختصر جوهر المبادرة: من صنع أعظم حضارة في التاريخ، قادر اليوم على بناء مستقبل أعظم. إنها دعوة للإيمان بالذات، واستنهاض للثقة، وتحريض إيجابي على العمل والمعرفة والابتكار.
«نوابغ العرب» ليس مشروع تكريم فقط، بل مشروع أمل. أملٌ في شبابٍ عربي يرى في هذه القامات دليلاً على أن الطريق، مهما طال، يبدأ بفكرة، وينتهي بإنجاز… وأن المستقبل، حين يُدار بالعقل، يصبح أقرب مما نتصوّر. فوجود مقر دائم للمبادرة في متحف المستقبل، كمركز بحثي ومعرفي، يترجم الانتقال من التكريم إلى التمكين، ومن الإشادة بالإنجاز إلى الاستثمار فيه، بما يعزز حضور العقل العربي في معادلات العلم والابتكار العالمية.
وفي زمن تتسابق فيه الأمم على استقطاب الكفاءات وبناء اقتصاد المعرفة، يقدّم هذا المشروع نموذجاً عربياً واثقاً، يقول، إن الرهان على الإنسان هو الرهان الأكثر أماناً وربحاً. «نوابغ العرب» ليست جائزة للنخبة فحسب، بل رسالة جامعة مفادها أن نهضة الأمة تبدأ حين نعيد الاعتبار للعلم، ونمنح المبدعين مكانتهم المستحقة، ونصالح الماضي المجيد مع مستقبلٍ يُكتب اليوم… بعقولٍ عربية.