يرسخ مهرجان الحصن، حضوره عاماً بعد عام بوصفه مساحة حيّة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، وتُستعاد عبرها الذاكرة الوطنية بروح معاصرة قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة. ففي دورته لعام 2026، التي تتواصل فعالياتها لأكثر من أسبوعين، يقدّم المهرجان نموذجاً متكاملاً لكيفية صون التراث وتحويله إلى تجربة مجتمعية نابضة بالحياة.
الرعاية السامية التي تحظى بها دورات المهرجان، وزيارة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، عشية انطلاقته، تعكس المكانة التي يحتلها «الحصن» ضمن أولويات الحفاظ على الهوية الثقافية لإمارة أبوظبي. فالمهرجان، الذي تنظّمه دائرة الثقافة والسياحة في موقع الحصن التاريخي، لا يكتفي بعرض الموروث، بل يسعى إلى ترسيخ قيمه في الوعي الجمعي، وتعزيز حضوره في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي نسخته العاشرة، يقدّم مهرجان الحصن على مدى 16 يوماً برنامجاً ثرياً من الفعاليات الثقافية والفنية والترفيهية، يعكس التنوع الغني للموروث الإماراتي الأصيل، ويبرز القيم الاجتماعية التي شكّلت ملامح المجتمع عبر الأجيال. الزائر لا يشاهد فقط التراث من خلف زجاج العرض، بل يعيشه تجربةً حسّية، ويتفاعل معه في فضاءات مفتوحة تمتد على طول منطقة الحصن.
في منطقة التراث، تستعاد علاقة الإنسان الإماراتي بالإبل، بما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية عميقة، وتُقدَّم ممارسات الحياة التقليدية وأسواق الصوغ والأزياء والمجوهرات، التي شكّلت جزءاً من هوية المرأة الإماراتية. أما منطقة الحِرَف، فتفتح نافذة على تفاصيل أدقّ في الثقافة المحلية، من الحنّة إلى البيت الإماراتي، مروراً بالحِرَف اليدوية التي تجمع بين الأصالة والابتكار.
المهرجان لا يغفل البعد المعاصر، عبر استضافة الاستوديوهات الإبداعية المحلية الجديدة، وتقديم تجارب طهي متنوّعة، إلى جانب برنامج موسيقي حيوي يجمع بين العروض التقليدية ومشاركات الموسيقيين الشباب والفرق الناشئة. هكذا يتحوّل «الحصن» إلى منصّة للحوار الثقافي، تحافظ على التقاليد، وتمنح في الوقت ذاته مساحة للتجريب والانفتاح.
إن منطقة الحصن، بما تضمّه من قصر الحصن والمجمّع الثقافي وبيت الحرفيين، ليست مجرد موقع تاريخي، بل هي الركيزة الحضارية التي انطلقت منها العاصمة، ورمز يجسّد الاعتزاز بالجذور، ويؤكّد أن صون التراث لا يتعارض مع التطلّع إلى المستقبل، بل يشكّل أساسه المتين.
مهرجان الحصن 2026، يؤكد أن الاستثمار في التراث ليس احتفاءً بالماضي فحسب، بل فعل وعي ومسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل. فحين يُقدَّم الموروث الوطني بلغة قريبة من الناس، وبأساليب تفاعلية تستوعب التحولات الثقافية والاجتماعية، يصبح التراث قوة ناعمة تعزّز الانتماء، وتعمّق الإحساس بالهوية، وتبني جسور التواصل بين الأجيال.