مررت وأنا مثقل بذاكرة كأنها الغيمة تحمل رسالة السماء إلى الأرض. عبرت أزقة ونواصي، عبرت صوراً لم تزل تعلق في الذاكرة، مثل أجنحة الفراشات المرسومة على وريقات الزهر. 
وقفت عند فسحة ضيقة، وأطللت على الخواء المقابل، كانت هناك امرأة من الزمان القديم، حاولت محاكاة العالم من حولي الذي نام متأخراً ولم يصح بعد، حيث أذان المغرب على مشارف الصعود إلى السماء. ولكن ترددت، وجفلت حين رأيت محياها تغسله حبات العرق، التي جرت بين التجاعيد مثل جداول انشقت عن وديان.
 تسمرت، وبقيت أتأمل ذلك الوجه الملائكي، تلك النظرات الغرائبية، تلك الملامح المهيبة، هذه المرأة أعرفها ولكنها لا تعرفني، فأذكر أنني في يوم رمضاني بعيد، ناولتني طبق الهريس ساخناً، تقطر منه حبات السمن البقري، وتفوح منه رائحة كف مدموجة بعطر العرق، شعرت في تلك اللحظة أنني أغادر زمني، وأحل ضيفاً على هذه السيدة الثمانينية وربما أكثر، ولا أدري لماذا توقفت فجأة والتفتت نحوي، وتسمرت وظلت تتأمل وجهي ثم صرخت بصوت مشروخ لعبت في حنجرته السنون، وقالت: أأنت ()؟ فقلت: بلى ورأيت دمعة تخر من تحت جفنين ذابلين، رأيت عود النخلة القديمة ينكسر وينحني عوده وتطير حمامة عقلي دهشة، مذهولاً من ذاكرة حديدية، ولما هدأت انشغلت بالسؤال عن الأهل والأولاد والزوجة، وكنت أجيب باطمئنان بأن الجميع بخير، ومرت لحظة صمت ثم تنهدت، وحملقت في الفراغ، نظرت إلى اللاشيء، ثم التفتت نحوي وقالت بلهجة ساخرة: ذهبت أيام زمان، كان رمضان يعج بالأطفال والنساء والرجال، وكل يحمل على راحتيه طبقاً، والأطباق مثل الطيور، تتطاير هنا وهناك، والأبواب مشرعة على المدى مثل عيون سخرية، واليوم، وقد غابت تلك المشاهد، لم يبق لمن هم مثلي إلا التحدث مع أنفسهم حتى تكل الذاكرة من سرد الذي مضى. ثم مسحت دمعة بطرف ثوبها الفضفاض، وأخذت نفساً عميقاً، أخذت هواء مثقلاً بالأفكار السوداوية التي احتلت مكاناً واسعاً من فؤادها المكدود. كانت تريد أن تشرح وتسرد قصصاً طويلة الأنامل، وكنت في عجلة من أمري، ولم يكن بوسعي سماع ما يتفطر له القلب وتنحني له الروح ضارعة، ولكن ما جدوى أن أستمع، وما جدوى أن تشجب هذه المرأة زمناً، وتدين البشر الذين خفت أفئدتهم نحو مبهرات مختلفة والقارعة دقت أجراسها، وعلى خلق الله الانصياع للأمر الواقع؟! ولما وجدتني المرأة متململاً أشاحت في وجوم، وسارت تحمل الزمن على ظهر عكف على الأرض، وكأنها كانت تقرأ صفحة التاريخ المدفونة تحت الرمال.