هناك خيانات لا تبدأ من نية الشر، بل من فائض الثقة..
أقصد هنا تلك الثقة التي نمنحها للآخرين، بلا حذر أو مساءلة، وكأننا نوقع على بياض باسم الطمأنينة! جسدت هذه الفكرة مسرحية عطيل للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير في تراجيديا قدم فيها القائد عطيل ثقته الكاملة لمساعده «ياغو»، الذي حاك له مؤامرة، أقنعه فيها بخيانة زوجته التي تموت على يديه في النهاية. غير أن التجسيد الذي قدمته الدراما العربية في فيلم «الغيرة القاتلة» كان أكثر رحمة بالزوجة، حيث انكشفت المؤامرة في اللحظة الأخيرة فانفضح أمر «مخلص» قبل أن تُقتل -وهو الاسم الذي اختاره صانعو الفيلم- أمام «عُمر» الصديق المغدور.
في الفيلم الذي انتج في بداية الثمانينيات، تذهب الحياة بصديقي الطفولة إلى مسارين مختلفين بعد التخرج. عمر يؤسس شركته الخاصة، بينما يحمل «مُخلص» -الذي يبقى موظفاً- غيرة قاتلة في قلبه من نجاح صديقه! تبدو القصص مكررة على كثير من الصُعد، نجاح، غيرة، مؤامرة، سقوط. المثير فعلاً أن السقوط لا يحدث بسبب هشاشة الناجح، بل بسبب ثقته التي تحولت إلى يقين مطلق! فالخيانة هنا لم تأتِ من العدم، بل من مساحات الثقة التي تُمنح بلا رقابة حقيقية أو اختبار. هذه الثقة التي يعتقدها بعضهم فضيلة، هي عطب أخلاقي واضح.
الموضوع هنا ليس مجرد قصة غيرة أو خيانة، بل هو اختبار لفكرة: هل نحن ضحايا الآخرين، أم ضحايا تصوراتنا عنهم؟! الواقع يؤكد كل مرة، أن الصديق الذي يَخذِل ويخون لا ينجح فقط بدهائه، بل بنقطة عمياء فينا. نحن من نُسهم، من دون أن نشعر بذلك عندما نختار أن لا نرى تلك الإشارات المقلقة، ولا نلقي بالاً لتلك الجمل السامة العابرة. إنها الدلالات التي كانت إشارات للنجاة، لكننا تجاهلناها باسم الحب أو الأخوة أو حسن الظن.. وهذا هو أكثر ما يؤلم.