عندما تغشى البراءة غيوم الخبث والعبث والرث، تتحول الحياة إلى لعبة مسمومة، لا يتضرر منها إلا الأبرياء، والذين لا ناقة لهم ولا جمل بما تكنّه قلوب الأشرار من أحقاد وضغائن. في هذا العيد لا شك أن قلوباً سوف تستدعي الأيام الخوالي، وتتذكر أحبة إما ينامون على الأسرّة البيضاء أو غادروا عالمنا إلى مثوى النور والإيمان، والعفوية البشرية، التي مُسّت بجحيم الكارهين للحياة، المبغضين للإنسانية، الحاملين في دواخلهم النار والسعار.
لو علم الذين يضمرون كل هذا الحقد للعالم أجمع، ما سوف يلاقونه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، لو علموا أن النظريات والعقائد السوداوية والأفكار الذكائية لن تُجدي ولن تشفع وسوف تذهب جفاء، يوم يكونون بين يدي رب الخلق، فهذه الخدع البصرية التي يعيشونها، وهذه الألعاب النارية التي يمارسونها ليست إلا مهارات مجانين ظنوا أنهم سيوردون جنات النعيم، بهذه النوايا الخبيثة والعصبيات والتحزبات وتجريد المبادئ السامية من معانيها، كل هذه ليست إلا خيالات مريضة، كل هذه ليست إلا أفكاراً جاءت من عصور ما قبل الأديان، عصور عبدة النار والأحجار، واليوم ونحن نعيش أسوأ مراحل التاريخ، حيث الكذب أصبح قانوناً عاماً تسرد من خلاله قصص وحكايات لا يصدقها إلا كل جاهل ومعدم من العقل.
اليوم تعيش مرحلة فلول المجانين، والذين تخيّلوا أن النصر المبين حليف كل أفّاك مفتر، وكل ضارب دف وصدر، فالمسألة ليست بالتصورات، وإنما هي وليدة حقائق، وما يحدث اليوم في منطقتنا، لعبة جهنمية، فكّر فيها معتدٍ أثيم، وسوّقها، واعتبر نفسه علّام الغيوب، وظنّ أن العالم سوف يقول له شبيك لبيك، ولم يفهم هذا المختبئ خلف حروز وهمية بأن حبل الكذب مهما طال تقصر مسافته، وهكذا نرى اليوم، الرؤوس تتهاوى، والخسائر الفادحة تلم بمن كذب وتولى، ولكن التصور المخادع يجعله يصنع النصر من بين سطور الهزيمة، ويرفع من شأن المنكسرين، برفع الشعارات الصفراء عالياً، لعل وعسى يخفض من كُلفة الانهيارات الأرضية تحت أقدام جنده.
في هذا العيد سوف نتذكر أعياداً مرّت، وأحباباً كانوا هنا، في أيام لم تمسّها يد الشيطان، ولم تجرح عيوناً، أصابع الغدر والبطش والطغيان، في هذا العيد لا شك أن الذين انخدعوا بالقوة الوهمية، سوف يلقون حتفهم، ويضمرون، وينتهون إلى لا شيء، فكما يقول المثل عندما (لا يغرك شراعه، تراه سماري).
هكذا هي الخدعة البصرية، ينتفخ البعض حتى يصبح طبولاً، لا تسمع غير ضوضاء وضجيج، ولا الطحن من غير دقيق، لا ليس إلا فراغاً، يؤدي إلى فراغ، وفي النهاية سوف تتكشّف الحقائق، وتنتهي كل هذه الرقصات، ونعود إلى ما قبل النشوء والارتقاء.


