الأم مدرسة على صفحات كتابها الموسوعي نقرأ قيماً، ونقرأ أحلام طفولة، ونقرأ كفّ الأيام، نقرأ مشاعرها التي هي سماؤنا وأرضنا، وهي مهدنا وعهدنا، ولا منارة سواها، ولا قيثارة غيرها، وهي التي مدّت للمدى حلماً وأشاعت للوجود فجر ميلاد على أثره سارت قافلة الأيام محمّلة بآمال وأمنيات، نحن الذين نهلنا من سحابتها، نحن الذين إذا ما غابت أمُنا غربت عن عيوننا شمس الوجود، وأفلت أقمار وذبلت الجواري الكنّس، ومادت أرض ومارت جبال. الأم في الزمان أيقونة تحت جفنيها تنام صورتنا وبين رموشُنا تتألّق صورتها ريّانة بأشواق الليالي الساهرات على أنيننا إن عيينا، القابضات على ابتسامة إن فرحنا، وليس في الحياة شجرة مظلّلة أكثر من حضن الأم، وحصنها الحصين.
الأم هي تلك السماء الصافية، وهي تلك الفضاءات الواسعة زاخرة بالدفء مزدهرة بالحنان شاهقة بمعاني الوجد الإنساني، هي تلك النخلة التي أعطت ومدّت للمدى خيوط الحرير، تحيك فيه معطف الحياة، لنكون في المحيط موجات بيضاء ناصعة من غير سوء، لنكون في السماء نجوماً ساطعة، نورها من بهجة، ولغة التلاقي حين يكون التلاقي أهداب وصل، وفصلاً من فصول زمن لم يتغير، ولم تفك شفرته العميقة سلسلة التشققات في قماشة العلاقات الاجتماعية. الأم نهر رافدة من دموع إذا تألمنا، وضفافه من رموش ترف إذا غبنا، وعذبه من سلسبيل إذا ابتسمنا. الأم هي الحلم البهيج يسكن تحت جفوننا، إذا فتحت عينيها وكشفت عن طفولة ربما غيبها الزمان، ولكن عين الأم لا تذهل معنى، ولا تنسى مغزى، فكل المشاعر محفوظة في صندوق القلب الرهيف تلك المضغة بين ضلوعها مثلما هي أجنحة الطير، حين يخفق مشتاقاً لعش فيه ترفرف أجنحة صغار ما سكن لهم روع، ولا حلّت لهم مهجة.
الأم، وماذا نكتب عنها، ماذا نسكب من حبر، ونشبع من خبر، فهي السؤال وهي الجواب وهي الوعد وهي رفيف السحاب، فماذا نكتب وقد مدّت صحائفها وصحفها في وجودنا رخاء وثراء، واستمدت قلوبنا منها المعنى في الحياة، ونبرة الموجة حين تلاحق زعنفة لتمنحها سر التكوين واصل اللحن الرزين. الله أيّتها الأم، كم أنت في الزمان أيقونة، وأنت رمانة القلب، أنت حنين الجداول للجذور، أنت الكلمات تتسرب وعياً في ضمائرنا، أنت الرواية وكل الحكاية، أنت البداية وكل النهار وشمسك في عيوننا مصباح منير، وبلاغة معجمنا، وحسن بديعنا، أنت سيدتي في زماننا أغنية لم تخطر على بال النجوم ولا الأقمار، أنت اللحن والفن والفنن، أنت الشجن، أنت السكن، أنت المد، والمداد، والمدى، والامتداد، أنت الجد، والمجد وأنت السد والسعد، وأنت الشجو وصحوة الطير فجراً يرتب أشياءه، لتحليق جديد، لقبلة تملأ الوجنات نوراً، أنت أيّتها الأسطورة ملكت فملأت المشاعر عشب السهول اليانعة، وقلت للغض فديتك عمري يا عمري ودهري، ويا سهري وفخري، ويا جذري وفرعي، وقلت وقلت ولم تزل الكلمات تخرج من فيك فصوص عقد من سبك الحنايا، وقلت سيدتي، إن للحياة فاكهة، وألذها تلك القبلة على خد مهجة وفلذة.


