في بداية العمر والسفر.. كثيراً ما كان يختلط في ذهني بين شرم الشيخ وجبل الشيخ، خاصة وأن كلمة شرم تعني الشق في الجبل، غير أن الثاني غاب تحت جنح الغمام، وغيبه الثلج والأحداث، وقد زرته في بداية حياة التجوال، لكن شرم الشيخ فهذه الزيارة الأولى بعد ما برز كمنطقة سياحية دولية، ومكان يستظل به الساسة حين تضيق بهم المدن وفنادقها بمؤتمراتهم الكثيرة والتي لا تكاد تنتهي، فهذا للسلام وآخر للاقتصاد والآخر ضد الإرهاب، والأول كان لبافوس والثاني لباخوس والثالث للمرحلة المتبقية من اتفاقية السلام المنعقدة في لاجوس، وغيرها من تسميات المؤتمرات العربية ذات السجع اللغوي، والذي يحبونه العرب أن يكون شعاراً لكل مؤتمر ينعقد عندهم.  زرت شرم الشيخ في بداية ظهوره السياحي والإعلامي، وكنت غادياً له دون أي قراءات أو إشارات، فقط وجدت نفسي مثل أي زائر لشرم الشيخ، أو مدعو لمؤتمر فيه، لكن كعاشق للأسفار ومحب لقراءات الأمكنة، استوقفتني الجبال البنية التي تضرب في بحر أزرق، كتلك الجبال الأسطورية التي تحفل بها كتب التاريخ والأثر، جبال هي أشبه بالجبال الدينية المعفرة بغبرة التاريخ وحركة الإنسان القديم، وكأنها خرجت للتو من قراطيس الحكايات، ورقيم الأجداث الدهرية.
ثم فجأة ظهرت لي قرى مزروعة وطرق ضيقة غادية إلى هناك، قد تصل بك البحر باليابسة، وقد تتفرع بك إلى مسالك ومهالك، ثم إلى جنان جديدة على الأرض، شعرت حينها أن الناس أتوا إلى هنا كأشخاص طارئين، أو لديهم أشغال لم ينجزوها بعد، حتى الأماكن ليست لها تلك الرائحة الحقيقية، والبيوت ليس فيها نار يخبز عليها، ولا أثر للفلاحة الجميلة بجلابيتها السوداء، ولا لتلك البدوية المثقلة بمشغولات الفضة والكهرمان، ثم ليس هناك أب جاد في البيت، ولا لعب لأطفال في الطرق الصغيرة الضيقة، ولا مدرسة تربى فيها الأولاد، وتعاركوا ورسبوا وطلب منهم أن يحضروا أولياء أمورهم مرة، ودخنوا وهربوا من سورها حتى تخرجوا من الثانوية صوب وجهتهم الجديدة ونحو الحياة، لقد قالت لي تلك المنطقة وقتئذ إنها ما زالت تتشكل باحثة عن هوية متفردة.  شرم الشيخ.. مدينة تظهر لسانها للسابحين والغواصين والسياح من الدنمارك، وتلك الجموع من روسيا، قد تفرح شابين من هولندا أن يحجزا للعام القادم منذ الآن، قد تضم لثلاث ليال عاشقَيْن غامرا باتجاه البحر والحب والحياة، أو تتسع لزوجين أرادا تجريب أيامهما الطويلة القادمة بعد شهر العسل، قد تكون مكاناً غير ضجر لأطفال في بداية عطلتهم السنوية، أو استراحة لكاتب ستيني ملول ويشكو من أمراض شيخوخية قد تهجم عليه ببطء في قادم الأيام، قد تكون بداية مشروع تجاري وعقاري لرجل قضى سنوات طويلة في الخليج. شرم الشيخ مدينة مكبلة بالفنادق، بوابتها مطار يذكرني بمطارات الجزر في المحيطات البعيدة، لا شيء فيه إلا تلك الابتسامة التي جلبها ذلك المصري معه من قريته النائية، أو من مدينته التي يحبها كثيراً، يستقبلك بها ويودعك بها، ويصرّ أن يضحكك أنت المتجهم من الأخبار، ومن المؤتمرات، ومن البيانات الختامية، ومن الأوراق الكثيرة التي تحملها في حقيبتك، ومن الناموس الليلي الذي نغل ورعى جسدك خلال تلك الإقامة القصيرة في شرم الشيخ، حيث تضيع فواصل النهار والليل، وغير متيقن إن كنت ستعود له يوماً أم لا؟ وغداً نكمل.