- مرة سمعت وصية من واحد خاطره طيب، والدنيا عنده سهالات، ولا يحب يغثّ عمره، ونصف الميّة عنده خمسين، وما يحب يتلي شيئاً، وجع الرأس يسوى عنده وايد، وما يداني الضغط عليه، ولا يواطن أمراض الضغط، قال: بعطيك نصيحة، ويمكن تطبقها على كل شيء في الحياة، فطربت لقوله، لأنني أكاد أكون شبهه، قلت له زدني واختصر، قال: كل الناس عرضة للمخالفات المرورية الكثيرة والمتنوعة، وكل واحد عنده في المنزل على الأقل ثلاث سيارات، له ولزوجته وللعائلة، ولكي تتجنب الزعل شبه اليومي أو المشادة الزوجية لكثرة مخالفات المرأة المرورية، والتي لا تعترف بمعظمها، وكذلك السائق حين تخبره عن مخالفة ارتكبها اليوم يظل يبتسم، وينسى العربية يومها تماماً، منعاً لكل تلك الأمور المزعجة، والتي تسبب الضيق والتوتر، وتتكرر طوال أيام السنة، اعزل لك 15 ألف درهم للمخالفات المرورية طوال السنة واعتبارها زكاة عن عافيتك، وريّح رأسك، وكلما تجيك مخالفة خلّها تأكل من زكاة العافية، تذكرت كلامه، حينما أسرعت فجأة نتيجة رد طبيعي لما يحدث حينما تتلقى الإنذار في هاتفك، هي دقيقة ولقطني الرادار، فقلت لا بد وأن أفعِّل قيمة زكاة العافية التي حدثني عنها ذلك الرجل مشكوراً!
- الله لا يبليك وتكون عندك وحدة إذا انكسر «فنيان» قهوة سمعت صريخها، وكأن هناك حريقاً شبّ في المنزل أو لقيت «أم سليمون» فجأة تمشي على الجدار، فتظهر ذاك الصوت، وكأنها رأت فيلاً يطأ مغاغة طفلها الرضيع أو رأت فأراً خارجاً للتو بعد مشواره الاعتيادي بجانب قمامة الشارع، وتسلل إلى حديقتها التي تعدها مملكتها الصغيرة، بهدف الاستكشاف لا الإقامة الجبرية، ثم غاب بعد ذاك العويل الذي خرج من صدرها، وجعل كل من في البيت يعتقد أنها رصّت الباب على أصابعها، ليتحولوا فجأة إلى فرقة كشّافة وجوّالة تذرع تلك الحديقة بحثاً عن ذلك الفأر الرمادي الذي روعته الصرخة، ولم يعد في الحديقة إلا في مخيلتها، وتبقى طوال شهر بأكمله تذكرنا به إن نسينا!
- جلسنا كأصدقاء مختلفين في التخصصات والاتجاهات، لا التوجهات نتحدث فيما تمر به المنطقة من ظروف طارئة وملّحة، وبعيدة عن كل التوقعات الممكنة والراهنة في هذه الحرب التي تختلف عن كل الحروب، جلسنا.. وكل واحد يدلو بدلوه متحدثين ومحللين ومستنبطي النتائج، وسابري الآفاق الجيوسياسية، حتى كدنا أن نتحدث عن بعض الإحداثيات الممكنة والبعيدة والقابلة للاستهداف، كنا جميعاً نتحدث من وجهة نظر مدنيين «سِفِلّيَن»، وحده ذاك العسكري والمتخصص الميداني بدرجة مقاتل، كان يستمع، تقول عارض أحداً منا أو علق على حديث أحدنا أو حاول تصحيح معلومة مغلوطة أو قال جملة من التي نلوكها نحن فريق الكشافة القدامى أيام المرحوم «عبدالرحيم قدورة»: أنا من وجهة نظري أو أكاد أعتقد جازماً أو أنا أرى أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، صاحبنا العسكري كان لائذاً بالصمت المطبق، حينها عرفنا أن كلامنا كان يشبه كلام المحللين التلفزيونيين الاستراتيجيين الذين رأسمال الواحد منهم بدلة بُنية مخططة، والخبراء العسكريين الذين يصعب عليهم فتح «قوطي» تونة إنجليزي قديم «مب مال السوبرماركت»، والإعلاميين الرقميين الذين يتحدثون عن حوالي مائة مُسيَّرة، والحقيقة هي مائة وثمانٍ وثلاثين مُسيَّرة، دون أن يدركوا الفرق بين الرقمين، وعدد الدفاعات المضادة وقوة التدمير، وحجم الخسائر!


