ما مرّ على تاريخ كرة القدم العالمية على امتداد عقود من الزمن، نجوم ومبدعون وأساطير طبعوا حقبهم الزمنية بما لا يمكن أن يسقط من الذاكرة، صور ولمحات وفن يعجز الوصف أحياناً، لكن من كانوا عباقرة واستثنائيين في إنتاج فلسفات اللعب التي تغيّر القوالب الجمالية في الأداء الجماعي، وتثور على النمطية المملة هم قلة.
بين هؤلاء العباقرة، من أحيت كرة القدم قبل أيام الذكرى العاشرة لرحيله، النابغة والملهم، الهولندي الطائر يوهان كرويف، الذي مثّل لزمانه فلتة، أو لنقل معجزة كروية يصعب أن نجد قبيلاً لها، في زمن جفَّ فيه الإبداع وتراجع منسوب العبقرية واجتاح الإبداع الطبيعي كثيراً مما هو مصطنع.
كان كرويف في مساره كلاعب لنادي أياكس أمستردام ونادي برشلونة، علامة إبداع مميزة، فالرجل كان يطبق بقدميه تماماً ما كان يبدعه خياله وفكره، إلا أن مظاهر العبقرية لدى «الهولندي النحيف»، ستبرز أكثر عندما تحوّل إلى مدرب، فأعلن باسم «الكرة الشاملة» التي هو من علاماتها الكبرى، ثورة على النمطية في الأداء، بل ووقع على أكبر انزياح في فلسفات اللعب، عندما قاد برشلونة «فريق الأحلام»، ليكون دليل إرشاد على مولد منظومة «تيكي تاكا» التي سيرثها عنه تلميذه الفذّ، العبقري الآخر بيب جوارديولا، وبها صنع مجداً كروياً غير مسبوق لبرشلونة وبعده لمانشستر سيتي. قال جوارديولا عن معلمه الأول يوهان كرويف: «إنه الشخصية الأكثر تأثيراً في كرة القدم الأوروبية خلال الأربعين أو الخمسين سنة الماضية. لم يرَ أحد ما كان يراه. أما شرح فلسفته؟ فهو أمر مستحيل.. يحتاج مني ذلك إلى موسوعة كاملة. كانت كرة القدم معه جمالاً متحركاً».
كان العبقري كرويف أحد أبرز مهندسي العصر الذهبي لبرشلونة، حيث جعل من اللعب الهجومي والاعتماد على التكوين (المدرسة الكروية) أساساً لهوية النادي. هذه الروح استعادها النادي في السنوات الأخيرة بقيادة رئيسه خوان لابورتا، الصديق المقرّب لكرويف، والذي ظلّ وفياً لأفكاره، وقد قال عنه: «كان يوهان متمرداً، يحب تحدي السلطة. لقد قاد ثورة حقيقية، رياضياً واجتماعياً».
ولم يكن تأثير كرويف محصوراً في الملاعب، بل امتدّ إلى عقول وأفكار أجيال كاملة. إرثه حاضر في أسماء عديدة، من بينها ابنه جوردي كرويف، وجوارديولا، وبيغيريستين، وكومان، ولويس إنريكي، وإنييستا، وتشافي.
يستعيد تشافي ذكرياته مع كرويف قائلاً: «كانت شخصية يوهان أشبه برؤية أو طيف عابر.. كان من الصعب أحياناً فهم طريقته، لكنها كانت سابقة لعصرها».
بعد عقد من الزمان على رحيله، لا يزال يوهان كرويف حاضراً.. ليس كشخص، بل كفكرة حيّة تُلهم كرة القدم لكي تتحرر من القوالب المتقادمة، وتظل مشرقة بالبهجة.
تلك كانت هي وصية كرويف لنا.