لا عجب أن يغرق الإرهاب في العدمية، لأنه جاء من منطقة فيها الأفكار تمارس لغواً وجودياً لا مكان له في الحياة، بل إن الحياة بجمالها وثرائها، تعتبر عبئاً على هؤلاء الذين تأبطوا شراً وانغمسوا في حثالة الأفكار السوداوية، والتي تفرض على أصحابها الموت.
فالعقل الباطن لهؤلاء مثل مكب نفايات تنحشر فيه القاذورات والأوساخ، ولا يسعد هؤلاء إلا بانتشار الجثث وسيول الدماء البريئة.
اليوم ونحن نشهد تصعيداً في المنطقة، نشهد تصريحات قادة الإرهاب العالمي حول الحرب في منطقتنا المكلومة والمظلومة، والتي ابتليت بقادة فكر ظلامي، قادة يعتبرون الهزيمة انتصاراً، والضعف قوة، والموت حياة، والادعاء حقيقة، والخرافة واقعاً، وكل هذا يحدث في بقعة من هذا العالم أنعم الله عليها بخيرات طبيعية، تحلم بها شعوب أخرى، ولكنها لا تحظى بها، ولكنها الثروات عندما تكون بأيدٍ غير أمينة، وأيدٍ ملوثة بمخصبات الموت.
للأسف الشديد، ونحن نعيش القرن الحادي والعشرين، لم يزل البعض يفكر بأنا ومن بعدي الطوفان، وإذا سلمت ناقتي، ما علي من رباعتي، وهذه مأساة العقل المأزوم بالأنانية، العقل المأخوذ باللون الأحمر الفاقع، والعقل الذي خُيِّل له أن الجنة تحت أقدام المغامرين والمجازفين، والذين يسومون النفس رخيصة في سبيل شعارات صفراء فاقع لونها.
الإمارات منذ أمد بعيد حذّرت وأنذرت، ومدّت الأيدي سخيّة ومن دون سوء، وأرادت أن تنأى بخليجنا، وتحميه من الأفكار «الفوقية» وما تبعها من فورات اليورانيوم، وسواه من أدوات هدم وتدمير لا تحلّ قضية، بقدر ما هي آلة حروب غوغائية، وعشوائية، ولا تختلف عن حروب هولاكو وجنكيز خان في الشرق، والإسكندر الأكبر، والذي صار صغيراً عندما هاجمه الموت، واعترف بعد فوات الأوان بأن عقدة الفوقية ليست إلا وهماً، وأن مرد الإنسان هي الواقعية، وليست سردية مقارعة الأقوياء، وأنت لا تحمل بيديك إلا كائنات معدنية خرافية تنفجر في الهواء، لتصبح فتات جحيم يسقط في الفراغات والهاويات. الله أعطانا العقل، وقال وفي أنفسكم أفلا تتفكرون، ولكن البعض أصبح تفكيره مغلقاً كما تغلق مضائق الحياة، البعض يفكر خارج إطار العقل مما يجعل هذا التفكير مجرد طائر مهزوم، تلاحقه عقدة الهزيمة ما دام حياً، وفي الممات لا يلقى حتى قماشة الكفن، كما هو حال الإسكندر، الذي مات وهو يتفتح راحتيه للدنيا، وعندما سئل لماذا تفعل هكذا؟ قال هكذا جئت إلى الدنيا، وهكذا أرحل عنها، وكل ما حلمت به، ليس إلا جنون عظمة، وخيال مريض.
ويا ليت يفهم كل من ينعق، وكل من ينهق، وكل من صار النقيق صداه وهواه، ولكن لن يكون مصيره أحسن من نهاية الإسكندر.


