كنت في بغداد ربيع عام 1989.. تلك المدينة الغالية آنذاك التي تتشبث بأطراف ملابسك، لتقول لك: «لا تبرح المكان، مكانك القلب، والبيت الوسيع» كنت يومها أريد أن أطوف على الفنانين العراقيين، لأخذ لوحات من أعمالهم التشكيلية، فانبرى رجل يميل إلى القصر، أعرفه، له هيبة الشكل المسرحي، وتميزه حمالات البنطلون الدائمة، وشنب يكاد يقمط شفتيه، عيناه تشبه عيني «عبدالله أوجلان» إلا قليلاً.
أخذني في سيارة حمراء مثل الدويبة، هي أصغر ما يمكن أن تراه في شوارع بغداد، وكأنه كان يريد التميز في كل شيء، كانت «لادا» أو إحدى بقايا سيارات ألمانيا الشرقية في آخر عهدها، كانت كأنها مفصلة له وحده، ركبت وبشكل أدق انحشرت في صندوق متحرك، وانتقلنا من «غاليري» إلى «أوتيليه» إلى زوايا تحت القبو هي مراسم لبعض الفنانين المعدمين، كانوا كلهم يعرفون الرجل ويحترمونه، لم تكن جولة شرائية لمقتنيات فنية، كانت جولة فنية حقيقية بين مدارس ورؤى فلسفية وثقافية، تشاركنا مع الفنانين بعضاً من طقوسهم اليومية، واستمتعت بحديث الرجل، وبجو بغداد الفني، وبتلك الرحابة التي في الصدور، وما تسربه لك لهجتهم التي تشبه الرطبة الهامدة في الفم من ضحكات صافية.
كانت مشكلتنا في كيفية حمل تلك اللوحات وخاصة الكبيرة ذات الإطار الفني والقديم الذي وضعه الفنان، ويصر أن لا تغيره، لأنه جزء من جمالية اللوحة، كان الحيز المكاني ضئيلاً في تلك السيارة التي أنّت من حمولتها، مما اضطرنا أن نضع اللوحات فوق سقفها إن جاز أن نسمي تلك المساحة سقفاً، كان الهواء يلعب باللوحات وبالسيارة وبأعصابي كمشترٍ جديد حتى وصلنا فندق الرشيد، وأنزلت بضاعتي التي أعتبرها أغلى شيء في خزينة رحلتي، قلت له: «الآن.. آن لي أن أمد رجلي»، ففهم التورية من تلك الجملة الملغمة، رضاً بالمكاسب، وفرحاً بالاقتناء، وذماً في ضيق سيارته، وخفة وزنها، حتى أني قلت له: هذه يجب أن لا تمشي بالبنزين، لأنها تمشي بالبركة أصلاً! ثم أردفت معنى قيمة أن يكون الإنسان طليق الرجلين، ليس هرباً، بل تهرباً من الضيق الذي أكرهه؛ ضيق الأمكنة، وضيق الأسقف، وضيق النفوس.
كان الفنان «عوني كرومي» في ذلك اليوم البغدادي الباردة نسائمه، ينقلني من ضيق سيارته إلى أفق الأمكنة، ورحابة الاستقبال في بيوت الفنانين والرسامين العراقيين، وفي بيته الذي يشبه منصة مسرح اللامعقول، وزوجته المتشبعة بالعربية وروح الشرق، وكأساتها من «الجاي العراقي الطوخ» ساعة مغربية، برائحة حب الهال.
التقيته مرات، هنا وهناك.. حتى كانت فجيعة أن يودعنا بغتة قبل سنوات، مثل بطل من مسرح العبث، ناسياً أن يترك لنا تلك المساحة التي ننتظر فيها «غودو» أن يأتي أو لا يأتي، لأن ساعة الانتظار، ومسافة الحلم، هما اللتان تجعلان من الحياة قاب قوس قزح أو أجمل!