من يرى تلك المرأة الطويلة الممتلئة بقدر يوحي بجمال عربي قديم، طبعها الصامت، وصوتها الهادئ، المسالمة في حديثها ومشيها، لا يمكن له أن يصدق أنها المرأة نفسها التي تثور، وتتحول إلى العدوانية، وصخب الصوت، كان طبعها طبع القطط في تحولها المفاجئ والانقضاض، وظهور علامات الغضب، لذا كان الناس يقولون إنها تلبستها جنية بهيئة «قطوة»، فهي حينما كانت في صغرها تتحايل على القطط حتى تمسكها، وبعدها ترمي بها «بطول يدها» من جدار النخل، ولكن البعض كان يرجح أنها وجدت كتاب «الغزالي» مدفوناً في الجدار الطيني في غرفة والدها المطوع، ونبشته وقرأت صفحات منه قبل أن يلحق عليها والدها و«يمرطه» من يدها، لكن نفسها ظلت معلقة فيه حتى فقدت جزءاً من عقلها.
وفي يوم «عنثر» رقاد العصر نشّت فزعة، وهي تصرخ كالمجنونة حتى لم تفد فيها قراءة والدها المطوع فوق رأسها، ولا نفعها ذاك «المحو» المكتوب على صحن صيني بماء الورد والزعفران والمقروء عليه، بعد تلك الحمى النفّاضية التي رقدتها أسبوعاً، عادت لطبيعتها وأصبحت تتزين وتخرج بذاك الهدوء، تحوم في الحارة، وبين فترة وأخرى تظهر جنيتها كما كان يقول الناس، وكلما حاول الناس أن يتناسوا قصتها، تعود هي لتذكّرهم بجنونها المفاجئ، والذي لا يعرف سببه.
قرر والدها المطوع وأخوه أن يزوجوها ابن عمها، لعلها تبرأ وتطيب، وتعود لطبيعتها الأولى حينما كانت تدرس في مدرسة القرآن، وختمته على يد والدها، وبدأت تطالع بعض الكتب المتوفرة في غرفة والدها الطينية، حتى أنها صارت تُدرّس البنات في مدرسة والدها، وتحل محله في ساعات غيابه إنْ طُلب لحل معضلة أو عقد نكاح أو كتابة دين.
تزوجت، ولبست البرقع حينها إعلاناً بدخولها سن النساء، لكن حينما رأتها النساء في هيئتها وزينتها وحنائها لأول مرة، ظهرت دهشتهن من جمالها، وكأنهن لا يعرفنها، تلك التي كانت تهوم في الحارة أحياناً حافية، غير ماشطة، ورددن: سبحان من خلق وخصّ وبَدّ! وتلتها دعوات كل الأهالي أن يوفقها ويرزقها الذرية الصالحة، ويهدئ بالها، ويصلح حالها، لكنها لم تبقْ مع ولد عمها إلا أشهراً معدودة، بدأت البيوت تسمع صراخها، ورمي أدواتها المنزلية خارج بابها، وافتعال حريق في حظار مطبخها، وحلفان اليمين من زوجها، وخروجه غاضباً في القايلة بوزار ومقصر، ويتعصب بوزار ثانٍ على رأسه، يتركها ويزبن في نخله حتى يصلحهما الأب وعمها، لكن سرعان ما تعود الأمور إلى قديم حالها، أنجبت منه ولداً، بعدها تم الطلاق، وغادر الزوج على عجل للعمل في جزيرة داس.
عاشت مع ولدها الذي سيطلق عليه أولاد الحارة «أبو رأس»، لأن له رأساً كبيراً لا يتناسب وهيئة الجسد الهزيل، بعض النسوة اللائي يحببن علك القصص، تذكرن قصتها مع «القطوة» وأنها كادت أن تخنق ولدها، فقد نامت عليه وهي ترضعه، والبعض منهن يزدن في الحكاية أنها في ساعة جنونها رمته «بطول يدها» فارتطم رأسه في الجدار الطيني، لذا كان الولد منذ أن بلغ الخامسة، ورأى طرقات الحارة، صار يلقط الحجارة ويرمي بها الناس، حتى عدّوه مشروعاً لمجنون الحارة، وتبريرهم جاهز: «تراه.. ما بييبه من بعيد، هذا مخَلّف، مب مُوَلّف»!
عاشت مع ولدها أسيري ذاك الجنون الذي يصنعه الناس والمكان، وتتنبأ به القصص المتناقلة، بحيث لم يقدرا على الخروج من شرنقة سردية حكايات الليل، حتى تركا أم سبع البلادين، واستقرا في البيوت الجديدة بعد القص والجز والتعويض في «بر اليزيرة»!