كان أهلنا في قمة البلاغة النابعة من بيئتهم، فلرمستهم جذور عميقة نجدها في اللغة العربية، كلما بحثنا في القواميس والمعاجم. في طفولتنا كنا نسمع وصوفاً لأناس نتخيلهم، فإن قالوا «يانا يترامي»، تصوَّرنا مشيته المبالغ في ميلانها يميناً وشمالاً، فهي أقرب إلى الترنُّح من المشي المستقيم، وإنْ قالوا «خذنا بشراع وميداف»، فهمنا أنه لم يترك لهم مجالاً لفعل شيء، فالسفينة إما أن تصرفها الرياح وتوجّهها الأشرعة، أو تحرّكها سواعد المجدفين، ولكن استخدام الوسيلتين في آن واحد لا يترك مجالاً لأي فعلٍ آخر، وإنْ قالوا «يالسة جنها راكة علي بيض»، يقصدون التزامها مكاناً محدداً كما تفعل الدجاجة في جلوسها على البيض، وفي القاموس رَكَّ الأمرَ في عنقه: أَلزمهُ إياه ومنها، الفعل ركَّ (يَرِكُّ) وُرُوكاً، وإنْ قالوا «فلان دوم كندورته دلعا»، عرفنا أن أزرار ثوبه لا تعانق عروه، وله وصوف كثيرة لا تسعها مساحة هذا المقال.
اسمحوا لي «حضراتكم» أن أتعمق في الدلع قليلاً، إذ يقول لسان العرب «دَلَعَ الرَّجُلُ لسانه أي أخَرَجه من الفَمِ، واسْتَرْخَى حتى سَقَطَ عَلَى العَنْفَقَةِ، كلِسَانِ الكَلْب (أجلكم الله) أَحْمَقُ دالِعٌ: غَايَةٌ فِي الحُمْقِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَزَالُ دَالِعَ اللِّسَانِ» وهو الذي نسميه في لهجتنا العامية «باياه» فمن قال إن الدلع نعمة، عليه أن يفهم أن وصف النَاقَة دَلُوعٌ هو ما يميزها لأنها تَتَقَدَّم الإِبِلَ وتُمنح صفة المُدَلَّع، كمُعَظَّمٍ: المُتَرَبِّي فِي العِزِّ والنّعْمَةِ، مُوَلَّدَة.
للعارفين أقول، قالت لي إحدى الصديقات: «دكتورة، علاقتي ببعض الأشخاص أشبه باللبانة اللي يوم تخلص حلاوتها نتورط بوجودها في حلوجنا، وأذكر حضرتك بأني مازلت أتصرف بمزيجٍ من الوعي والحكمة وضبط النفس، رغم كل عقبة وُضِعَت في دربي! فقلت لها: «أجديتي (أحسنتِ صنعاً)، إذ يتوجب علينا في هذه المواقف أن نتملّك الهدوء ونهذّب النفس ونعتزل السلبية حتى تتاح لنا رؤية واضحة، وعلينا التحلي بالصبر مع حفظ الكرامة، والاتزان، فأنا على يقين بأن «الحوبة تبطي بس ما تخطي»، إن الدعاء والثبات الداخلي أعظم قوة، وعليك اليقين بأن الحق لا يضيع لأن الحق من أسماء الله الحسنى». انفرجت أساريرها وكأن نور الصباح قد شقّ السماء، وقالت: «منذ نعومة أصابعي وجدتي - الله يحفظها - تُردّد هذه الأبيات «كيدي العواذل يا بنية.. وادلعي في الشارع العود ادلعي دامك طرية.. قبل المشيب وييبس العود.. شمي هوى الدنيا النجية.. وخلي الحسود يموت مغدود»، أقول لك.. الحمد لله أكثر شيء لأن الإمارات بخير والأهل بصحة وسلامة والمعاش توه نازل في الحساب.. يعني باسير أتدلع لأني أستاهل الدلع! فقلت لها: «استودعتك ربٍ كريم وللدلع عند أهله فنون ذات شجون!».


