في بدايات انشغالي بالأدب ونقده، انحزت بحماسة لا تخلو من تطرُّف إلى فكرة الحياد الكامل في قراءة النص. لم أعُدْ أذكر كيف بدأ ذلك معي! ولكني كنت من أولئك الذين أخذوا يقرؤون الرواية، منشغلين فقط ببنيتها ولغتها ورموزها ومنطق الجمال فيها، ذلك عندي هو الغاية القصوى. بل وكنت أستهجن أي قراءة أخلاقية، معتبرةً ذلك انزلاقاً يُفسد نقاء الجمال المُتلقَى من العمل! أحاكم اليوم نفسي على ذلك، وأتساءل بصدق، من أين جاءت تلك الحدية؟ رغم أننا منذ أن عرفنا الأدب ونحن ندرس ظروف زمن الفعل الأدبي، سواء كان شعراً أو نثراً، مفككين الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الأديب، وأثر ذلك على شكل إنتاجه.
ورغم ذلك، وعندما أصبحنا أحراراً من الصف المدرسي حررنا النص من كل السياقات المحيطة - ربما كسلاً أو إهمالاً - وهذا ما يُعرف بالنقد البنيوي الذي يركّز على دراسة النص كبنية مكتفية بذاتها، مركزين على جمالياته وتقنياته، دون الالتفات إلى العوامل الخارجية، كحياة المؤلف أو الظروف التاريخية أو الواقع الاجتماعي.
سعدنا بهذا النهج، واستسلمنا لغوايته، فانشغلنا بلا وعي - للأسف - بذلك، متجاهلين ما يفعله النص بنا من حيث أثره. وهذا مربط الفرس، فذلك النهج من النقد الذي نتجاهله عمداً، هو ما يكشف لنا الدوافع الثقافية «الخفية» التي أفرزتها خبرات ومخاوف وتحيزات الكاتب الضمنية، والمخبّأة خلف جماليات اللغة وتقنياتها. تلك الجماليات التي تنتهي لذّة تذوقها بمجرد انتهاء القراءة، فيما يبقى الأثر الأخلاقي والثقافي والاجتماعي في وعينا وفي تشكيل أحكامنا.. لما بعد ذلك بكثير.


