قبل خمسين عاماً، وفي مثل هذا اليوم، التقت الإرادة بعدما اتسعت الأحلام، وكبرت الأمنيات، وصاغها ذلك الرجل التاريخي الاستثنائي والباني ذو الرؤية البعيدة والعميقة، مرات كثيرة بالحكمة وما دربته عليها الحياة والقيادة بالهوادة والطواعية التي لا تعصر، وبالحزم والعزم الذي لا يكسر، قدم من أجل ذلك التضحيات والمساهمات والصبر الكثير والطويل، كان يراهن على نقاء القلوب، وصفاء السريرة، وما تحكم الرجال من كلمات، وذاك الوعي الوطني الذي يكبر ويكبر بالأبناء وأحفاد أولئك الرجال من أهل الدار.
في مثل هذا اليوم، وقبل خمسين عاماً مما نعد، التقى المؤسسون أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد في «بو مريخة» في استراحة المغفور له الشيخ حمدان بن محمد، ووقعوا على وثيقة مهمة وغالية في عمر الاتحاد، هي وثيقة توحيد القوات المسلحة، درع الوطن، وحامي حماه ومكتسباته ومنجزاته، يومها كان الجميع سعيداً وفرحاً، غير أن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان أشد الجميع سعادة، وأكثرهم فرحاً، لأن ما أنجزه، هناك أيدٍ متماسكة ستحفظه، وأذرع متراصة ستحميه، وأنه السند والعضد للأهل وللصديق في الداخل والخارج.
توالى على قيادة أركان هذه القوات المسلحة الجديدة المرحوم «عواد الخالدي» من الأردن الشقيق، ثم الشيخ فيصل بن سلطان القاسمي، ثم د. محمد سعيد البادي، الله يحفظهما، ويطول في عمريهما، وكلاهما من أبناء المؤسسة العسكرية تدرجوا فيها بمختلف الرتب، وقدما الكثير في تطوير هذه القوات المسلحة، لكن الخطوة الأكبر والأهم من حيث التخطيط الاستراتيجي والمستقبلي، وتوسيع دائرة الاستثمار وتنوع السلاح، ومواكبة كل جديد في جيوش العالم، وإعداد قواتنا المسلحة لتكون واحدة من أقوى الجيوش تسليحاً وتنظيماً وإدارة موارد، ومشاركة في حفظ السلام في دول العالم المنكوبة بالحروب، والاعتماد على أبناء الوطن وابتعاثهم لمختلف دول العالم ليتزودوا بالعلم واكتساب الخبرة والمهارة والاحتراف العسكري، هي تسلم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، رئاسة الأركان، وهو الذي دخل القوات المسلحة بعد تخرجه في كلية «سانت هيرست» «ملازم ثانٍ» ليتدرج ويتدرب على مختلف صنوف الأسلحة، وفي أفرع قواتنا المسلحة كافة، ثم يتولى قيادة القوات الجوية والدفاع الجوي لينقله إلى ذاك السلاح المشهود له اليوم عالمياً.
شاركت قواتنا المسلحة في مهام خارجية كثيرة، وأدت دورها الإنساني والإغاثي، وما يتطلب من أبناء زايد من ترسيخ مُثل وقيم أخلاقية وتعاون وتفانٍ وتضحية بالأرواح من أجل الأخ والصديق في كل مكان تشرفوا بالخدمة فيه، بدءاً من لبنان على مرحلتين، المشاركة في قوات الردع العربي، والمرحلة اللاحقة تطهير الألغام، مروراً بتحرير الكويت، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وأفغانستان والعراق واليمن والصومال، وغيرها في أماكن متباعدة بنوا مستشفيات ميدانية وساعدوا الفلاحين في استصلاح أراضيهم وبنوا المدارس وآمنوا طلابها، وطهروا الأرض من الألغام، وأقاموا المخيمات للاجئين ومشردي الحروب، ولم ينسوا الوطن في الداخل فقاموا بكثير من الحملات التطوعية والعلاجية أو ما يعرف بـ«رد الجميل»، وهنا يجب ألا ننسى دور رئيسي الأركان اللذين جاءا لاحقاً، حمد ثاني الرميثي، وبعده عيسى سيف المزروعي.
يكفي أن تعرفوا الإحصائية الأخيرة حتى أمس للاعتداءات الإيرانية الغاشمة، وتصدي قواتنا المسلحة لها وتدميرها، 549 صاروخاً باليستياً، 29 صاروخ كروز، و2260 طائرة مسيَّرة، لنرفع لقواتنا المسلحة التحية تلو التحية، ونرفقها بالدعاء الدائم لها في يومها، ويوبيلها الذهبي لتوحيدها.


