صفاء ذهن، يستل من الضياء بريقه، ومن طراوة الزمن سره، يصل مراده بين الفجر في بذوقه، والمساء في هدوءه، وبين مسارب الحياة الجسام، وشرذمتها، يصل المرء إلى حس من الوقار، صفاء وهدوء وسكينة، يمد بصره، نحو روض الحياة، وأقصى المكان، يتوارى بفكره بعيداً، حثيثة هي دقائق صفاء الذهن، وهي مكمن الشغف، تمهد للقادم، من زمن يقتات من المرء مراده، وحين يطرق أبواب الحياة بحيرة وشقاء كأن طيف الود، يشهر التباعد من النفس، أو اقتراب من النائبات كالظل، حين يظهر صفاء الذهن، يتجسد المرء بالصبر، يصبح إنساناً آخر، يتكئ على مساراته، أي الأفكار في صداها تأوي النفس والوقت وتجد إذعاناً، من صفاء الحياة، ولو في لحظة عابرة، بنشوة تجلي بحالة اطمئنان، بعد خسارات الشوق، والوقت والألفة النفسية.
أجمل اللحظات الصفاء النفسي، بين حالات الصباح الأولى، تهذب النفس، بين تغريدات والألحان، بين بوادر صمت يتوهج، ودهشة سمع آتية من بحر، فطرة الأيام، في الصباحات، عصافير تغرد، همها رزقها، وترفرف ولا تشقى بأحلامها، لها بدايات لا تعصي الحذر، ولها بين أطياف صفاء الحرية، لا مبالاة تغرد وتحلق، بين أزهار عشها، لها وله مبطن بأنشودة، تذكر المرء بزمانيات الغرام، وهوى النسيان، تذكره بنسمات صباحية خاطفة يزفها الإرهاق، وصحو مبكر وضوضاء تجرها عربة الوقت، خلوة كانت تتعقب أمدها، وتترقب بما يطهر النفس.
هذه الصباحات أما المساءات، أي مس من خفق تدفق، بين صفاء الذهن، وبحور الشعر، ترى المدى في الخيال، لا ينحسر طرفة، عين توغل في زهاء الفكر، وروض الكتب، وسحر خلوة بهية، جريئة الحسن لها السر، وفي نقاء الصفو تستبد، تبصر الرؤى، وبها تتسربل الثواني وتغدو تشاغب الذهن، بين شلال الظلام، تنبأ حكايات التاريخ، حتى يتهادى قول صفي الدين الحلي من زمانه قائلاً: «وأطيب أوقاتي من الدهر خلوة يقر بها قلبي ويصفو بها ذهني».
صفاء الذهن، أي اعتناء بالوقت، لا يدرك في حينه، إلا في فضاء يحلق عالياً، بين نبض الصمت، ويدنو من رتم يجسر بين الزمانيات أحلامها، وبين الأمنيات احتضارها أي سهو مر في اغتراب مباغت، حكايات تخبو فيها الأشياء، كأن للوقت مسارات، تحضر ما توغل من الزمن في خضم الحياة، وتغيب أشياء لا استدعاء لها تسكن الإنسان، وداعة لها من النجوى في لحظة صفوا.
لم يعد صفاء الذهن يحضر كسابق المواعيد الزمنية، فقد تم الإلهام الفطري إلا ما ندر من بوادر آتية كرحيق أصيل من حياة مشبعة بالطبيعة وموسيقى خفية يتلقاها الإنسان ببصره وسمعه ومشاعره الحتمية دون عناء.. وتحضر في مخيلته.


