بكّر بموعده ذات فجر، ومضى يتدفق بخطواته يتهادى، مثل نهر كولومبيا العظيم، يمتد بين ضفاف فاتنة، كتمساح عملاق، لا يهادن الزمن، لا يخفق قلبه، لجبل هود العظيم. منذ زمن لم ينتشِ بركانه، لم يعد يثور بحمم، باقية على أثرها، يلتف النهر حول مدارات، بمساره يتهادى قادماً من كندا، يتعرّج بين الغابات، ومدن يودعها، وأخرى تستقبله راجفة، مثل مدن بورتلاند وفانكوفر وكاماس، وقرى يحاورها بصمت وهدوء، كأنها تصغي لخريره، لتشكّل بانوراما على شواطئ المحيط الهادئ الهادر.
كأن يمر على موعده، بأيام إجازة أسبوعية، يعانق فيها الطبيعة، بسهولها وجبالها ومناظر مروجها. آلة تصوير معلقة على صدره، ويوغل بالانتظار بين جمع المصورين، وهم يتوافدون جهة مدرج مطار بورتلاند، والطائرات في هبوط وصعود، ترسل فحيحها، وهم ينتظرون بشغف، لعل أمراً ما يحدث، كارثة ما تحدث، اعتادوا أن يضعوا عدساتهم على أهبة استعدادات مملة، ينتظرون أن تقع الواقعة، ليجنوا من التقاط الصور مئات الدولارات، إلا أن الأقدار تخذلهم، والطائرات تحلّق في أمان، يلملمون عدساتهم قبيل الغروب ويرحلون، يائسين من لقطات قد تخلد أسماءهم مدى الحياة.
منذ البداية، لم تؤلُ له فكرتهم، ويمضي بعيداً نحو منحنيات النهر، وسهول وجبال ونهيرات صغيرة، تهتف بين الأرياف والجبال، وهنيهات تطرق أمطاراً ورعوداً، لا تنأى لشهور طويلة، وشمس لم تعد تطل على التلال، وتجاذب الجبال، وترشق النهر بضياء أشعتها.
غيوم تحجب مدار أشهر، تظلل ولاية أوريغون، بسواد أعظم داكن، ترى ملفتة شلالات الماء المنحدرة بكثافة من علو باهر، تتدفق وتغشي برذاذ محيطها، تبلل عين عدسة التصوير. شلالات الماء بالجمال روعة الدفء، شلال مولتنوما، ينحدر، ملفت وجميل غديره، يلتحم بجمال الطبيعة، وشلال لاتوريل، ذا البانوراما المطلّة على الشارع السريع، وشلال ذيل الحصان، ورأس الحصان، وشلال واكينا، ورامونا. شلالات متقاربة يلفها حزام الغابة التي تسكنها الطيور على مختلف ألوانها.
ما أجمل أسرار الحياة ملاذاً بالرحلات وعدسات التصوير، وجاذبية الأمكنة وعذوبة مياه الشلالات الباردة، المتناثرة بماء عجيب، تحلق بروحك، وبخيالك تجنح بعيداً، وفي هدوء النفس، ورذاذاً من ارتشاف شاي دافئ، وما يألف بالك ذلك التأمل الحثيث نحو جاذبية الغابات، ومهدها وهي تلعق أحلامك، وتهمس في ذهنك، مثل أنغام موسيقية، في فضاء جاسر ممشوق عنوة، يبتدر صباحات واتجاهات جميلة، لها بريقها المحاط بالسكينة.
عدسة التصوير ترخي أستارها وتخفت، بعد أن استوعبت حكايات يومية منفردة، تظهر حسن الطبيعة وتوهجها، وتشعل وهجها مدى من الصور، ووراء كل صورة حكاية ترسمها بألوان، وتوسمها بخيال.


